سلام شكر
منذ البدء بعملية تدمير لبنان تحت عنوان عملية الصنوبر أو عملية سلامة الجليل عام 1982، وبعد إعطاء شارون ضوءًا دوليًا واستلطافًا للعملية من الدول المحيطة بلبنان، كان الناس في جنوب لبنان ينقسمون إلى قسمين:
قسم مع الحركة الوطنية والقوات المشتركة وحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانوا أكثرية. قاوموا العدوان بالرصاص والنار والاشتباك الميداني المباشر، وانبثق عن هذا القسم لاحقًا جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.
وقسم يُعتَبَر من البيئة الحاضنة المعجبين بعملية السطو المسلح للثورة الشعبية في إيران وما نتج عنها عام 1979. هؤلاء لم يحرّكوا ساكنًا تجاه الغزو الصهيوني للأراضي الجنوبية، وسكتوا سكوت الشيطان الأخرس. انبثق عن هذا القسم لاحقًا جماعة إيران الذين سمّوا أنفسهم “الثورة الإيرانية في لبنان”، وظلوا يرفعون هذا الشعار حتى استحوا فصار شعارهم “المقاومة الإسلامية” فقط، من دون ذكر منطقة أو نطاق العمل المقاوماتي المذكور في شعارهم. هؤلاء – إن لم نقل كلهم، فنصفهم – استقبلوا المحتل عام 1982 بالورد ونثر الأرز والتعامل المباشر.
منذ ذلك التاريخ، مرورًا بكل المعارك والإخفاقات والانكسارات وبعض الضربات الموجعة للعدو، وصولًا إلى حصار بيروت ورحيل المقاتلين وانتشار القوات المتعددة الجنسيات، نصل إلى تاريخ 16 و17 و18 أيلول 1982، حيث جلس شارون فوق سطح مستشفى غزة بنزلة السفارة الكويتية، وترك جماعة إيلي حبيقة يمارسون أشنع فعل إجرامي بتاريخ لبنان: إبادة جماعية لمن تبقى في مخيمي صبرا وشاتيلا، قارب عدد ضحاياها 3500 قتيل في يومين.
بعد سنة تقريبًا، أي في أيلول 1983، كان حافظ الأسد يخطط للقضاء على ما تبقى من منظمة التحرير الفلسطينية. حركة أبو موسى، وحركة أحمد جبريل، وسعيد مراغة، حاصروا الفلسطينيين في طرابلس.
وبعد سنة من هذا التاريخ، وبطلب من حافظ الأسد، في أيلول 1984 اندلعت مناوشات بين حركة أمل والفلسطينيين. وكان وقتها حسن الكاريزماتي من أعضاء المجلس السياسي لحركة أمل.
وفي أيلول 1985، وبطلب من حافظ الأسد أيضًا، بدأت حرب المخيمات التي استمرت حتى العام 1988. وكان “الحاج الوفيق” لا يزال في صفوف حركة أمل.
وفي أيلول من السنة نفسها 1985، كانت المعارك العنيفة تدور في المنطقة الشرقية بين قوات جعجع وقوات حبيقة، الذي بالتعاون مع حافظ الأسد عبر الاتفاق الثلاثي حاول إخضاع المنطقة.
ومنذ ذلك الأيلول، تدرّج الرفيق إيلي حبيقة على يد البيئة الحاضنة وحسن الكاريزماتي وحافظ الأسد، ليتبوأ سدة النيابة بأصوات البيئة الحاضنة، وبكفالة “الشاطر حسن” ذاته عبر تكليف شرعي منه شخصيًا، سحبها من برنيطة الساحر الذي يتحكم بالأرنب والحمامة والدولة بأمها وأبوها. رخصة إيمانية لقاتل. وبعدها تبوأ السفاح “أبو علي” – كما أحب جمهور البيئة الحاضنة تسميته – الوزارة، عفوًا الوزارات، بين طاقة ومهاجرين وزيارات دولة، في الأعوام 1990 و1992 و1994 و1998.
أبو علي اعتمد على الحزب العصابة، الذي يستخدم التاريخ أداة لتطويع الحاضر. ولذلك نراه دائمًا يعمل على تحميل مسؤولية مرحلة ماضية بالكامل لشخص موجود في الحاضر، لإغتياله سياسيًا ومعنويًا، والإبقاء على الاصطفافات، مما يمكنه من إحكام قبضته على بيئته عبر امتلاك السردية التي تناسبه. على أن يحمّل المسؤولية لأشخاص ماتوا، لا يمكن تحقيق أي مكسب من اتهامهم.
فعلوا هذا الأمر مع الجميع: وليد عيدو، محمد شطح، وسام الحسن، وسام عيد، جورج حاوي، مروان حمادة، وماي شدياق. ونفس الشيء مع رفيق الحريري قبل اغتياله جسديًا، إذ قاموا بمحاولات عديدة لاغتياله سياسيًا ومعنويًا في حضوره. وبعد موته، بدؤوا برثائه وكتبوا الأشعار وترحّموا على أيامه.
البارحة، أولاد سليم عياش رفعوا صورة المقتول على صخرة بيروت، المدينة التي احتلوها في 7 أيار وفجّروا قلبها في 4 آب.
انتقائيون… منافقون… يتكلمون عن عمالة بشير، ولا يأتون على سيرة عمالة الخميني الذي اشترى سلاحًا من إسرائيل على مدى 6 سنوات بمبالغ تخطّت الستة مليارات دولار. والأحقر من ذلك أنهم اشتروا من العدو سلاح المقاومة الفلسطينية الذي صادره الغزاة من بيروت. احتضنوا السفاحين ودعموا الطغاة، وتمادوا في إهانة الوطن والمواطن.
اليوم، 27 أيلول، الذكرى السنوية الأولى للقول المأثور الذي أطلقه السوبر ستار راغب علامة عندما قال: “خلصنا من ربّوه”.
