في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، وما رافقها من اضطرابات أمنية ونزوح داخلي وتعطّل في العديد من المرافق العامة، برزت دعوات للاستمرار في اعتماد التعليم عن بُعد في الجامعة اللبنانية كحلّ بديل. غير أن هذا الخيار، على الرغم من ضرورته في بعض الحالات الاستثنائية، لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة دائمة، خصوصًا في الفروع الجامعية التي تسمح ظروفها الأمنية واللوجستية بعودة التعليم الحضوري. إن الإصرار على استمرار التعطيل الكامل للتعليم الحضوري حيثما كان ممكنًا، يشكّل خسارة حقيقية للطلاب ولمستقبل التعليم العالي في لبنان.

أولاً، إن التعليم الحضوري هو الركيزة الأساسية للعملية التعليمية الجامعية. فالجامعة ليست مجرد منصّة لنقل المعلومات، بل هي فضاء للتفاعل العلمي والنقاش الأكاديمي والتدريب العملي وبناء الشخصية الفكرية للطالب. هذه العناصر لا يمكن أن تتحقق بالفاعلية نفسها عبر الشاشات والمنصّات الرقمية، خصوصًا في الاختصاصات التي تتطلب مختبرات وتجارب وتفاعلًا مباشرًا بين الأستاذ والطالب.
ثانيًا، إن استمرار التعليم عن بُعد لفترات طويلة يفاقم التفاوت بين الطلاب. فليس جميع الطلاب يمتلكون القدرة التقنية أو الظروف المنزلية المناسبة لمتابعة دروسهم عبر الإنترنت. ضعف الإنترنت، وانقطاع الكهرباء، والظروف المعيشية الصعبة، كلها عوامل تجعل التعليم الإلكتروني في لبنان خيارًا غير عادل لكثير من الطلاب، ما يؤدي إلى تراجع مستوى التحصيل العلمي وارتفاع نسب الإحباط والتسرّب.
ثالثًا، إن العودة الجزئية والمرنة للتعليم الحضوري ممكنة وواقعية. فلبنان ليس منطقة واحدة متشابهة الظروف؛ فهناك مناطق وفروع جامعية ما زالت تتمتع بقدر مقبول من الاستقرار يسمح بعودة الطلاب إلى قاعات الدرس. ومن المنطقي، بل ومن الواجب، أن تستأنف هذه الفروع نشاطها الأكاديمي بشكل طبيعي، بدل تعطيلها انتظارًا لتحسن الأوضاع في مناطق أخرى.
وفي هذا السياق، يمكن اعتماد حل عملي وعادل للطلاب المهجّرين، يتمثل في السماح لهم بالالتحاق مؤقتًا بالفروع الجامعية الأقرب إلى أماكن نزوحهم. فالجامعة اللبنانية تعتمد مناهج موحّدة في معظم اختصاصاتها، ما يتيح للطالب متابعة دراسته في أي فرع دون أن يتضرر مساره الأكاديمي. هذا الإجراء يضمن استمرار تعليم الطلاب دون انقطاع، ويمنع خسارة عام دراسي جديد بسبب ظروف قاهرة.
إن المطلوب اليوم هو اعتماد سياسة أكاديمية مرنة ومسؤولة تقوم على مبدأ بسيط:
حيثما تسمح الظروف بالتعليم الحضوري يجب أن يعود، وحيثما تتعذر العودة يمكن الاستمرار مؤقتًا بالتعليم عن بُعد. أما إبقاء الجامعة بكاملها رهينة أسوأ الظروف في بعض المناطق، فهو قرار غير تربوي وغير عادل بحق آلاف الطلاب.
إن إنقاذ العام الجامعي لا يحتاج إلى قرارات معقّدة، بل إلى إرادة أكاديمية شجاعة تعطي الأولوية لمصلحة الطلاب ولمستقبل الجامعة اللبنانية. فالجامعة الوطنية كانت دائمًا صمّام أمان اجتماعي وعلمي للبنان، وأي تراجع في دورها أو في مستوى التعليم فيها سيترك أثرًا عميقًا على المجتمع بأسره.
إن اللحظة الراهنة تفرض علينا خيارًا واضحًا: إما أن نحافظ على الحد الأدنى من الحياة الأكاديمية الطبيعية حيثما أمكن، أو أن نسمح للأزمة بأن تشلّ آخر ما تبقى من مؤسسات الدولة التعليمية. والاختيار، في الحقيقة، يجب أن يكون بد
