طارق الحجيري
يرحل بعض الناس، فيغيب حضورهم، ويندثر ذكرهم وينطفئ سراجهم.
يرحل آخرون، فيبقى أثرهم بين الناس، حضورهم أكبر من الغياب، وأسماءهم أبقى من العدم والفناء.
اليوم رحل طبيب الأطفال، ابن عرسال، وعضو مجلس بلديتها الدكتور الآدميسميح الأطرش. ترجّل عن صهوة الحياة تاركًا خلفه سيرةً تشبه اسمه، سماحةً في الوجه، وسماحةً في الأخلاق، وسماحةً في القلب الذي اتّسع للجميع.
كأن اسمه اختصارًا لشخصه ونفسه ورحلته القصيرة في دنيا فانية. كان رحمه الله:
سميحًا في تعامله
سميحًا في مهنته
سميحًا في إنسانيته
لم تغيره بلاد الغربة، ولم تستهوه عصبيات محلية ضيقة فما مارس تمييزًا بين قريبٍ وبعيد، أو بين قادرٍ ومحتاج.
لم يكن طبيبًا فقط، ولم يكن طبيبًا أبدًا خارج عيادته، بل كان طيبة وشهامةوانسانية تمشي على قدمين.
كان الأهل عندما يصطحبون إليه طفلهم المريض يشعرون قبل أن يبدأ العلاج، أنّ أمامهم إنسانًا يخفّف ألمه ببسمته، وبنبرة صوته الهادئة، وبسماحة وجهه التي لم تفارقه يومًا.
في زمنٍ قست فيه الحياة، وتكالبت عليه الظروف الصعبة، لم ينل منها الدكتوررغد العيش، ورغم كل الصعاب حافظ على بسمته الوادعة، وكان رحمه الله متسلحًا بجملته النبيلة “أول العلاج بسمة وأول الشفاء ابتسامة“.
كان الدكتور سميح شابًا ودودًا وقلبًا حاضرًا، وعقلًا متسامحًا، وحين يستطيع العطاء يكون بصمتٍ لا يعرف المنّ ولا الضجيج.
اليوم، لا يبكيه أهله وأصدقاؤه فقط، بل تبكيه وجوهٌ كثيرة مرّ في حياتهاوخرجت من عنده أخفّ ألمًا وأكبر امتنانًا.
اليوم تبكيه دعوات الأطفال والأمهات
تبكيه ذكريات الأقرباء والأصدقاء
ومحبةٌ صادقة زرعها في الناس دون أن ينتظر مقابلًا.
اليوم رحل الجسد، وهذا قدر كل انسان فلا مفرّ ولا فكاك منه
لكن سماحة الوجه لا تغيب من الذاكرة.
وسماحة الأخلاق تبقى أثرًا حيًّا في القلوب.
نم قرير العين يا دكتور سميح
فقد عشت كما ينبغي للأطباء أن يعيشوا، إنسانًا قبل أن تكون مهنة، ورحمةً قبل أن تكون علمًا.
رحمك الله رحمةً واسعة تليق بسماحتك
وجعل ما زرعته من خيرٍ في ميزان حسناتك.
