شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

البديل – عارف العبد

لطالما استخدم الساسة على مر التاريخ الموائد والمآدب كوسيلة من الوسائل في العمل السياسي والدبلوماسي، لتحقيق الغايات وفي كل الاتجاهات الممكنة. أما لإبرام الاتفاقات، أو لتقريب وجهات النظر، أو للاتفاق على الخطط المستقبلية أو للتقرب من الناس والجمهور.وقد عُرفت دبلوماسية المآدب والموائد بإنها إحدى الوسائل السياسية البارزة في العالم.

في لبنان، كان أقوى وأنجح من استخدم المآدب وسيلة سياسية وإعلامية، هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري.أقدم الحريري مع انطلاقة عمله السياسي والحكومي على إلغاء حوض السباحة في قصر قريطم، ليقيم مكانه قاعة ضخمة استخدمها لاستقبالات الوفود الشعبية والمناسبات، ومنها الولائم والمآدب، بحريته وكما يريد، حيث كان لا يخفي سروره بأنه نجح في تحويل المسبح إلى قاعة طعام تتسع لألف شخص دفعة واحدة.في شهر رمضان كان الحريري يقيم كل ليلة إفطاراً لمنطقة أو مجموعة على مدار الشهر. وقد تميز عبر نشاطه الدائم والاستثنائي يومها أنه كان يقف في نهاية الإفطار ليصافح كل زواره فرداً فرداً، حتى لو تجاوز عددهم الألف.وفي بعض الأحيان كان يقيم في اليوم الواحد مناسبتين، لكي يتمكن من أن يتصل ويتواصل مع أكبر عدد من الناس خلال هذا الشهر، حين كان يقيم مأدبة على الإفطار وأخرى بعد ساعات على السحور في المكان عينه، ومن لم يتمكن من دعوته على الإفطار كان يجد له فرصة للقاء على السحور.حوّل الحريري الأب شهر رمضان إلى شهر التواصل واللقاءات مع كل مناطق ومجموعات لبنان المتنوعة من المسلمين والمسيحيين، فيما كان منصرفاً إلى متابعة مشاريعه واهتماماته الإعمارية والإنمائية الكثيرة.

مناسبة هذا الكلام هو ما حفلت به الأيام الماضية من العودة إلى ما يسمى دبلوماسية المآدب والموائد في لبنان.

امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله افتتح أيام شهر رمضان بمأدبة إفطار محصورة للجمع بين حليفيه التيار الوطني الحر وتيار المردة، بحضور قيادات من الطرفين، لإجراء مصالحة ومكاشفة بين الحليفين سليمان فرنجية وجبران باسيل، المرشحين لرئاسة الجمهورية في الولاية المقبلة، بعد أن فرقتهما دروب الرئاسة العونية وطرقاتها المتعرجة والوعرة.ولم تكد تنطوي أخبار مأدبة نصر الله ونتائجها واتجاهاتها، حتى أطلّ سفير المملكة العربية السعودية وليد البخاري العائد إلى لبنان بعد غيمة زعل بسيط، عبر مأدبة في منزله في اليرزة، جمع فيها أيضاً من يفترض أنهم الأطراف السياسية المقربة من المملكة العربية السعودية، حلفاء الأمس في إطار تحالف قوى 14 آذار، أو غير المتناقضين معه.

إضافة إلى وجود عدد من السفراء تتقدمهم سفيرتا الولايات المتحدة وفرنسا، أعضاء مجلس الوصاية الذي سبق أن تشكل في الصيف الماضي.كان واضحاً من المعلومات التي تسربت والمواقف التي أعلنت، أن إفطار الضاحية هدف إلى جمع ومصالحة الحليفين في ما يسميه فرنجية “الخط”، لمواجهة المرحلة المقبلة والتخفيف من الخسائر، نتيجة التباعد والتنافر بين فرنجية وباسيل.

بطبيعة الحال المسعى لم ينته، لأن البحث سيستأنف بعد الانتخابات النيابية، ليبنى على نتائجها المقتضى باتجاه واحد منهما ربما، وبالتالي، فان إفطار الضاحية هو محاولة تمهيد لمواجهة الانتخابات بالحد الأدنى من التنسيق، لحصر الخسائر الممكنة بسبب التوتر بين الطرفين.أما إفطار اليرزة فكان هدفه ومن دون إعلان واضح، القول إن هذه القوى والشخصيات قريبة إلى قلب السعودية وهواها وتطلعاتها في لبنان، وإن من اجتمع حول مائدة الإفطار ليس هناك ما يجب أن يمنعه من الاجتماع حول طاولة السياسة.

في لقاء الضاحية نجح نصرالله في لفت انتباه خصومه أن المواجهة المقبلة هي على المقاعد النيابية والرئاسية وأنه يعد العدة لما هو آت.

وفي لقاء اليرزة تمكن السفير السعودي من تجنب الوقوع في أفخاخ اتهام بلاده بالتدخل في الانتخابات النيابية، ليحول الأنظار إلى الدور المأمول من المنصة الفرنسية الأميركية السعودية في المرحلة المقبلة، على أكثر من مستوى، حيث سيكون لها مستقبلاً المكان والدور الواسع في لبنان الضعيف، عبر إمداده بالمساعدات الغذائية وربما المالية أو غيرها من الاحتياجات.

واضحة صورة المرحلة والمواجهة المقبلة في لبنان.مأدبة الضاحية تمهد الطريق للمجلس والرئيس القادم وللقبض على السلطة المقبلة، ومأدبة اليرزة تمهد الطريق لترميم علاقات حلفاء الماضي والمواجهة الآتية بعد الانتخابات النيابية، وربما تحضير الأمصال والمضادات الحيوية لمريض فشلت كل العلاجات في إنقاذه.لكن وسط هذه المآدب، وبالتوازي، انفرد جموع المواطنين الصائمين والمفطرين على طول الجمهورية وعرضها، في البحث عن رغيف الخبز الذي اختفى من الأفران والأسواق، مع احتمال أن يعود بثمن مرتفع، حسبما يقال.

هل سينجح من اجتمع في الضاحية أو في اليرزة في تجنيب لبنان فقدان رغيف الخبز، بعد فقدان السيادة والأموال والكرامة والحصانة؟

حتى الآن لا جواب على هذا السؤال.

شاركها.