مصطفى علوش
“الأولة آه والغدر وقت حكم صبح الأمان بقشيش
والتانية آه والندل لما احتكم يقدر ولا يعفيش
والتالتة آه والحر مهما انحكم للندل ما يوطيش
الأولة غربتي والتانية بلوتي والتالتة كلمتي”
أحمد فواد نجم
كثيرون منا يعرفون أن المجتمع في الهند يقسم المجتمع إلى عدة طبقات، أعلاها طبقة البرهمن وأدناها طبقة المنبوذين. ومع أن تبدل وسائل الإنتاج هناك تمكن من تحرير بعض المجتمع من حدة الفروقات، لكن العامل النفسي لهذا التقسيم ما زال حاضرًا في أذهان الناس. في دراسة اجتماعية جادة أجريت في الهند حول معدل الذكاء للشبان، تعادلت كل الفئات الاجتماعية في الإداء طالما أن طبقة المشاركين بقيت غير محددة في البحث. عندما أعيد البحث مع ذكر طبقة المشاركين تدهور إداء الطبقات الدنيا بشكل واضح بالمقارنة مع العليا التي حافظ أفرادها على معدل الإداء ذاته.
طبقة البرهمن منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة فرضت هيمنتها على المجتمع الهندي من خلال ربط نفسها بالمعتقدات الدينية النابعة من “الفيدا”، وهي مجموعة الأساطير والقواعد الإيمانية والاجتماعية للهندوسية. تقول بعض التحليلات التاريخية بان القبائل الهندو-آرية التي انتقلت من مراتعها بين آسيا وأوروبا في أواخر الألفية الثانية ق.م.، سيطرت على مساحات واسعة من وادي الهندوس. حسب الرواية فإن تلك القبائل كانت متفوقة في القوة والمعرفة على الحضارة التي كانت قائمة في تلك الحقبة في تلك المنطقة. فرضت هذه القبائل الغازية لغتها التي اختلطت مع اللغات المحكية محليًا وصارت السنسكريتية اللغة والكتابة المهيمنة، ثم استندت إلى المعتقدات الفيدية معلنة نفسها بأنها ممثلة إله الهندوس الأعظم “البراهما” على الأرض. صاروا يدعون أنفسهم “براهمن” أو روح الله أو ظل الله، فمنحوا لسلطتهم البعد الديني، مفترضين وفارضين أنفسهم ككيان مقدس على الشعوب التي سيطروا عليها. قد يكون حصل في يومها بعض المقاومة، لكن مع الوقت فرضت الأسطورة الجديدة نفسها على التقاليد الكلامية الشعبية، وكما شرحت، ما تزال لتلك الأسطورة تأثير واضح على المجتمع الهندي بعد ثلاثة آلاف سنة من انطلاقها. ومن المعروف أن الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية، استفاد بشكل واسع من التفاهم مع البرهمن للسيطرة على الهند لحوالي القرنين.
ما دخلنا نحن بهذه القصة؟
الحقيقة هي أن الأمر خطر على بالي عشية حرب تموز 2006 عند سماعي خطاب نائب حزب الله علي عمار يؤكد على أن حزب الله هو حزب غير آدمي، أي ليس من نتاج بشري، بل هو حزب الله الذي سيبقى إلى نهاية الزمن، مفترضًا سرمدية وأبدية هذا التنظيم الذي يضم من هم أعلى من صفات البشر العاديين. ثمن بعد ذلك، وفي احتفال الانتصار الإلهي في ملعب الراية، خاطب حسن نصر الله الجمهور قائلًا “يا أشرف الناس…” واضعًا جمهوره في طبقة أشرف من كل الناس. ومن ثم، وبعد اكتشاف من نفذ جريمة اغتيال رفيق الحريري، صرخ النائب عمار الموسوي تحت قبة البرلمان مشبهًا القتلة بالقديسين، وكيف قامت الدنيا أيضًا ولم تقعد عندما تناول برنامج فكاهي ساخر بتناول حسن نصر الله، مع العلم أنه لم يوفر أحدًا من زعماء الطوائف الآخرين…
ومع ذلك، فما خص أمر ربما تجاوزه الزمن بالحاضر؟
حدثان قريبان هما التهديدات والاعتداءات التي حصلت ضد محطة الجديد بعد شريط، لا تعليق لي على قيمته الفنية، لكنه بالنهاية مجرد شريط قد يمر من دون تداعيات في مجتمع حر وديموقراطي لا يوجد فيه مقدس سياسي أو اجتماعي. حظ الجديد هو أن المحطة موجودة في قلب فم الأسد، أي في منطقة ساقطة عسكريًا. لكن اللبنانية للإرسال تم الاكتفاء بهجائها لشريط آخر في البداية إلى أن طالتها عبوة تحذيرية إسوة بزميلتها. لا تعليق لي أيضًا على قيمته الفنية، ولكنه اعتبر أيضًا مسًا بفئة أشرف الناس مما استدعى التنبيه بالكلام فقط على أساس ألمس بالسلم الأهلي!
لكن الملف الأخطر اليوم يعود مع المحقق العدلي طارق البيطار في استعادة مهامه، وإن كان الأمر يدخل في مجال الجدل القانوني. لكن، بالعودة إلى الأيام التي تلت اغتيال بيروت من مدخلها التاريخي، أي المرفأ، خرج نصر الله مطالبًا بتحقيق جاد ووطني لكشف وقائع الجريمة. من بعدها بدأت سلسة من الاغتيالات الغامضة، ومن ثم اقتحم وفيق صفا العدلية مهددًا المحقق بالقبع لأن المعطيات التي توصل إليها تقود بطريقة أو بأخرى إلى مقر حزب الله. وهنا، وعلى الرغم من أن المتهمين ليسوا كلهم من طبقة البرهمن، لكن الاستنتاج المنطقي هو أن القضية برمتها تتعلق بشراكة أو قيادة حزب الله في مسار الكارثة، على افتراض أنها مجرد حظ عاثر. بالطبع، ليس مسألة حظ أن تضع تلك المواد المتفجرة في عنبر غير عسكري، يعني أن تترك الخطر الداهم من دون علاج، ومن ثم تتنصل من المسؤولية بحجة أن الأمر قضاء وقدر!
لكن الشيء بالشيء يذكر، عادت بي الذاكرة إلى شهر شباط 2006، عندما سمعت نصر الله شخصيًا يقول بالحرف في جلسة كنت فيها “اتفقت مع بهيج طبارة على القبول بمحكمة دولية بخصوص قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري لتهدئة النفوس، لكن مع ضوابط!”. لكن، عندما كشف الشهيد وسام عيد خيوطًا تصل إلى حزب الله، قامت الدنيا ولم تقعد، واغتيل وسام عيد قصاصًا لمجرد أنه تحرش بالبرهمن!
عدت بذاكرتي بعدها إلى أيام أبو سليم الطبل في تلفزيون لبنان بالأبيض والأسود يوم كانت اللهجة الطرابلسية، والجبلية الشمالية الموضوع المركزي لشهرة هذا البرنامج، ولا أذكر بأن أيا من أبناء مدينتي اعتبر ذاك مسًا بخصوصية أهل طرابلس، بل كنا جميعًا نضحك ونستمتع حتى بالسخرية من اللهجة، معتبرين ذلك مجرد طرافة لا غير.
لكن الواقع اليوم هو أنه هناك سعي عمره عدة عقود لفرد طائفة “برهمن” جديدة على اللبنانيين يتحول تناولها بأي شكل من الأشكال نوعًا من التجاوز العدائي لقواعد اجتماعية يراد فرضها، بفائض القوة القائم، على كل نواحي الثقافة والسياسة في لبنان. وحتى القتل والتدمير يتحول معها إلى قضاء وقدر أو إرادة مقدسة لا تحاسب ولا تناقش في حكمة قراراتها. تصوروا إذًا كيف يكون الحال لو تمت السيطرة الكاملة لثقافة حزب الله على لبنان!
