
فواز حامدي
في هذا الصباح. كان أن صحوت باكرا. قبل الضوء أطلقت أصابعي للكتابة. بعد اجراءات صارمة مني. وصلت الى حد التطرف. دخلت كورونا أخيرا إلى بيتي. كانت والحمد لله أقل من نوبة زكام عادي. استطيع أن أقول أيضا أنها كانت ضيفا لطيفا علينا. أصعب ما في كورونا أنها تمتحن صدقك. من اللحظة الاولى عليك أن تبلغ كل من خالطتهم مؤخرا. بصراحة تذكرت عندما كان يتصل بي أحد الذي خالطوني. يبلغني بأنه يحمل فيروس كورونا. ليس الخبر لطيفا. وربما يكون العامل النفسي في كورونا أخطر من العامل الصحي المباشر. كادت كورونا أن تضرب التعاضد الإنساني في العالم. لكن الحمد لله هذا من الاشياء القليلة التي ما زالت تميز مجتمعاتنا.
أعود بعد كورونا والحب في قلبي أكبر. بالرغم من أنني لم اعلن عن مرضي الا لمن خالطتهم. وهم قلة. وصل الخبر الى الحلقة الضيقة حولي. اتصل بي الأحباء. غمرني الحب من كل صوب. اراد الجميع مواساتي. عرفوا أنني كنت أطبق اجراءات التباعد الاجتماعي بصرامة. وظنوا أنني أخشى كورونا. فخافوا علي. الحقيقة عندي في كورونا لها خلفية أخرى. علاقتي الصارمة بكورونا هي من أمراض المهنة. أنا اداري تسكنني هواجس الإجراءات الإدارية وعمليات التنظيم. وبطبعي اذا تمسكت بإجراء طبقته بحذافيره حتى آخر لحظة من قياس الأداء والتأكد من تحقيق النتائج. طبعا اعتبرت نفسي في موضوع كورونا مسؤولا عن بيتي وعن زملائي في العمل وعن عائلتي الأكبر. لا ابالغ القول أنني حتى اعتبرت نفسي مسؤولا بالمطلق عن محاربة الكورونا لخير الإنسانية بشكل عام. اليوم بعد أن تطعم غالبية الناس. وبعد أن أصبحت المتحورات الجديدة من كورونا أقرب الى الرشح. وتحققت “مناعة القطيع”.اعلن انتصار البشرية على هذا الفيروس اللعين. لكن لا بد من الاستمرار في التطعيم وبعض الاجراءات.
قصتين قبل أن أقفل. خلال كورونا عزلت نفسي في غرفة في اليومين الأولين. فأنا من أدخل الفيروس الى البيت. خلال عزلتي. بحثت كما عادتي في رفوف ذاكرتي. فكان أن بحثت على يوتيوب عن اسم جدو كريشنامورتي Jiddu Krishnamurti. وأنا كنت في أيام صباي قد قرأت بعض أفكاره من خلال كتب كمال جنبلاط. وكريشنامورتي هو كاتب ومتحدث عن القضايا الفلسفية والروحية؛ هندي من ولاية أندرا برديش. تضمنت مادته الثورة النفسية، وطبيعة العقل، والتأمل، والعلاقات البشرية، وإحداث التغيير الإيجابي في المجتمع. أجمل مقطع سمعته منه خلال هذين اليومين عن العادات “السيئة”. يقول في توصيف وتعريف العادة أن دماغنا في مواجهة ظرف معين يطور نمطا محددا من الأداء. ثم يقوم الدماغ في ترداد النمط في الظروف المشابهة. وأخيرا يصبح تحرك النمط ميكانيكيا خارج عملية الوعي العميق للعقل. ويقول أننا لضبط عادتنا السيئة علينا اساسا أن نعي ونراقب دون مجهود، النمط الذي تقوم عليه العادة فيصبح ضبط العادة أسهل. أعجبني هذا الفهم التأملي العميق. وبدأت البارحة بقراءة “كشكول كريشنامورتي” أو “مفكرة كريشنامورتي”. Krishnamurti notebook. وهو كتاب بالإنجليزية في 387 صفحة. كتب خلال فترة 1961-1962. الطبعة الموسعة نشرت في عام 2003. تتضمن هذه المفكرة روايات مباشرة عن التجارب الجسدية المستمرة وغير العادية وحالات الوعي التي عاشها الكاتب خلال زيارته لأوروبا وأمريكا في هذه الفترة. وصف الكتاب في التقارير الصحفية العالمية انه “وثيقة صوفية رائعة”. ووصفه كاتب سيرة كريشنامورتي المرخص له بأنه يحتوي على “الجوهر الكامل” لفلسفته.
ذكرني الحديث عن كمال جنبلاط وكريشنامورتي أنني قرأت في أيام شبابي أن نساك الموحدين الدروز في خلواتهم يعمدون الى نسخ كتبهم المقدسة بالخط المنمق وبتلوين الأحرف كتدريب للنفس والروح على الصبر والتأمل. أما انا فألجأ عادة الى الكتابة. أجد فيها دوائي. لكنني في بداية كورونا عندما كانت ما تزال لغزا. قبل اكتشاف فحص الPCR في 2019. ظننت أنني اصبت بكورونا نتيجة ظهور العوارض علي (أرجح أنني أصبت بها بالفعل). قلدت النساك الدروز. واجهت الأمر حينها بأنني أعدت طباعة كل نصوصي المبعثرة. ونشرتها في كتاب الكتروني. وقمت بطباعة وتصميم وتنسيق الصور في الكتاب لوحدي خلال ايام قليلة. أسميت الكتاب حينها “أزهار القلق”.
أشكر من واساني ومن اهتم لأمري. وأخص بالذكر الصديق الصيدلي د. بدري كريمة الذي يداوي بطاقته الإيجابية وروحه المرحة قبل ومع العلم والدواء.
