شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

هيثم الطعيمي

عندما يُغمض بابا الفاتيكان عينيه، تَصطفّ الكاميرات لالتقاط تفاصيل “الموت الأكثر تنظيماً في العالم”: دُولابٌ كنسي عملاق يَطحن الفراغ بلا توقف، طقوسٌ تَصنع الحدث بدقة ساعة سويسرية، ومؤسسةٌ تَظهر أقوى من أي فرد. الكنيسة هنا ليست مجرد “دين”، بل هي دولةٌ بموازناتها، استراتيجياتها، ولجانها الرقابية. الموت يُحوّل البابا إلى رمزٍ مكتمل، بينما تَظل الآلة الكاثوليكية تَتدفق كالنهر الذي لا يعرف الجفاف!

لكنّ نظرةً واحدة إلى واقعنا الديني تَكفي لاختراق هذا المشهد المهيب بسؤالٍ مؤلم: لماذا يتحول الموت عندنا إلى فوضى، بينما يتحول عندهم إلى نظام؟

الفاتيكان يَدفن البابا ويُحيي المؤسسة، أما نحن فندفن المؤسسة مع كلّ شيخٍ يموت!

الكنيسة الكاثوليكية، رغم ثقلها الكهنوتي، تفهم أن الدين سلطةٌ روحية تحتاج إلى “عقل دولة”. فهي تَخضع لانتخاباتٍ دقيقة، تُراجع ماضيها بمحاكم تفتيش حديثة، وتُجدد خطابها كي لا تنفصل عن العالم.

المفارقة الأقسى أن الإسلام، الذي ثار على الكهانة والوساطة الدينية، أصبح ساحةً لصراعات المرجعيات: مؤسساتٌ رسمية تشبه سوقاً مفتوحاً تُدار كأذرع حكومية، تياراتٌ ترفض الحداثة كأنها كفر، ودعاةٌ “مؤدلجون” يَبيعون اليقين السريع لمتابعيهم. النتيجة؟ دينٌ يُختزل إلى “آراء شخصية”، وشرائع تُقرأ بمنطق “التيك توك”، وصعود “الداعية النجم”، و”المفتي الشعبي”، و”الفقيه السياسي”، الذين لا يخضعون لأي بنية رقابية

 

نحن لا نُحاسِب أنفسنا حين يموت البابا، بل نُحاسِبها لأننا نرى في موته مرآةً لهشاشتنا. فغياب “المؤسسة الرشيدة” في فكرنا الديني لا يعني تحرراً، بل يعني أن الدين يَضيع بين أطرافٍ ثلاث:
– سلطةٌ تَستغله
– جماعاتٌ تَختطفه
– ⁠وشعبٌ يَبحث عن إجاباتٍ في فيديو خمس دقائق!

الحل ليس في تقليد الفاتيكان، بل في فهم أننا في حاجة إلى “عقد اجتماعي ديني” جديد: هيئاتٌ علمية مستقلة تَصنع فتاوى الجماعة بدل فتاوى الفرد، مؤسساتٌ تعليمية تَدمج التراث بالعلوم العصرية، وآلياتٌ رقابية تَمنع تحويل الدين إلى ساحة مصالح.

الدين لا يَخسر إذا تَنظّم، بل يَخسر إذا أصبح “مُلكية خاصة” لِمَن يَعتقد أنه وصيّ السماء!

الفاتيكان يُعلّمنا أن الموت قد يكون بدايةً لولادة النظام. فمتى نتعلم أن الحياة – وليس الموت – هي التي تحتاج إلى طقوسٍ نُظمنا؟!

شاركها.