
جميل أن نعترف ونشهد على أنفسنا بأننا في طليعة الدول المبتلاة بالفساد، وأن يكون المطلب الأول من العهد الجديد محاربة الفساد.
محاربة الفساد تقتضي بداهة أن نجيب أولا على السؤال: لماذا نحن فاسدون؟
نحن فاسدون لأن كل شيء في بلادنا يدعو إلى الفساد..
الضرائب والرسوم والغرامات، كلها أعباء ثقيلة على المواطن، بل هي كما يراها ظلم فادح، ما دام لا يلمس لها أثراً. فكيف نطلب من المواطن أن يقتدي بالمواطن السويدي أو الفرنسي مثلاً، والذي يؤدي ما عليه طوعا لا كرها لأنه يعلم أن هناك مقابلاً سيناله من الضرائب التي يؤديها، وأنها لن تذهب الى جيوب أحد من الحكام أو الأتباع أو المقاولين.
المواطن صاحب الحاجة، المتسكع على أبواب الإدارة لا مناص له من اللجوء الى الرشوة، مجبراً لا مختاراً، من حقه أن يجد لمطالبه استجابة ولمشكلاته حلاً. لا يجد من يشكوإليه أمره، وهو إن لجأ الى القضاء فقد يكلفه ذلك سنوات طويلة من الإنتظار، فضلا عن التكاليف المالية التي قد ترهق كاهله. فالرشوة إذن، أو التزلف لأحد النافذين هو الحل الواقعي الذي لا بد منه.
ومن الظلم أن نتهم المواطن في بلادنا بالفساد، وأن
يقارن بالمواطن في الدول الديمقراطية الراقية. المواطن هناك ليس أحسن أخلاقا، بل لا يجد حاجة لأن يكون فاسداً ما دام حقه محترماً وحاجاته مؤمنة، والمؤسسات في خدمته، والمسؤول مهما علا شأنه محاسب على أفعاله.
إصلاح الإدارة هو المطلوب، لكنه يبدو مستحيلاً، إلا أن تكنّس من الفاسدين الذين زرعتهم أيادي السياسيين، وتكون الكفاءة، لا السياسة ولا التوزيع الطائفي أو المذهبي، في أساس التعيين والترقية في كل الوظائف بلا استثناء، ويكون الرجل المناسب في المكان المناسب، وتكون الوظيفة خدمة عامة والموظف خادماً عاماً. عندها فقط تنتفي دواعي الفساد ومبرراته.
مطلب الإصلاح ما زال يتكرر منذ عهد الإستقلال، ومحاولات الإصلاح كلها ذهبت أدراج الرياح.
المطلوب إعادة بناء إداراتنا ومؤسساتنا من جديد، أما الترقيعات فليست من الإصلاح في شيء. فهل يكون ذلك ممكناً؟
وماذا نفعل بالسياسيين الذين مردوا على الفساد ومعهم تعوّد المواطنون على الإستزلام لهم وباتت الحلول لمشكلاتهم كلها في أيديهم في غياب العمل المؤسساتي، رغم كثرة الحديث عن دولة المؤسسات؟
نتعلم من تجربة الرئيس فؤاد شهاب في الإصلاح أمرين: أولهما أن الإصلاح لا يكون شكليا، بل في الأساس، ووفق رؤية إصلاحية عميقة وشاملة، وبحيث تكون الإدارة في خدمة المواطن وخدمة التنمية في آن.
ثانيهما أن حصانة المؤسسات في وجه التدخلات السياسية تحت أي من الإعتبارات أمر لا بد منه، على أن يكون للموظف حصانة من نفسه أولاً، وهذا شرطه الكفاءة الخلقية الى جانب الكفاءة الإدارية، لا الطائفية ولا السياسية.
والسؤال من جديد يطرح نفسه: هل يكون ذلك ممكناً؟
لقد حاول الرئيس فؤاد شهاب ومعه الرئيس رشيد كرامي تحصين الإدارة، لكن ذلك لم يعجب ذلك الجيل من السياسيين الذين انقلبوا على العهد وعلى مؤسساته فيما بعد، فبقيت المؤسسات قائمة في الشكل وكادت تفرغ من المضمون.
الحكم في جوهره إرادة سياسية، وما نحتاجه في الإصلاح في ضوء الواقع السياسي الراهن، أن يكون أهل الحكم على قلب واحد ورؤية واحدة وإرادة واحدة، متجردين من حسابات الطائفة والعشيرة والبطا نة.
ثم إن الإصلاح يبدأ من فوق، من المسؤولين، من أكبرهم الى أصغرهم. فهل يكون ذلك ممكناً؟
أسئلة يصعب الجواب عليها لولا أني أثق بفخامة الرئيس الاتي من المؤسسة العسكرية الوطنية وبدولة الرئيس الذي يشهد له في العلم والنزاهة ، وأرى أن هذا العهد قد يكون الأقدر على محاربة الفساد المتجذر في كل مفاصل الدولة ، وإننا لمنتظرون .
