شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

الرأي العام السني تحرّر من أثقال الحريري:

المستقبل مع السعودية

أحمد الأيوبي

لم يكن حظر موقع “ليبانون ديبايت” في المملكة العربية أمراً مستبعداً بعد أن تصدّر الموقع المشهد بشنّ حملة شرسة ضدّ الرياض وسفيرها في لبنان وليد بن عبد الله البخاري وتورّطه في منازلة تستهدف علاقة المملكة بالبيئة السنية وتفكيكها وتظهيرها على أنّها في أسوأ حالاتها، فقط لأنّ تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري أصبحا خارج المعادلة السياسية بما كسبت أديهم.

الاعتداء على الآخرين

ليس حرية

كان واضحاً أنّ أسباب الحظر لا تتعلّق بقمع الحريات كما جاء في الموقع، بل لأنّ حملته على المملكة تحوّلت إلى اعتداء على مكانتها وعلى مصالحها في لبنان، حتى كاد “ليبانون ديبايت” يتساوى مع موقع “المنار” في هذا المسار، وهو أمرٌ مستغرَب، خاصة أنّه حصل بعد أن كان الموقع يفتح الباب لانتقادات واضحة ضدّ سياسات تيار المستقبل، التي تحظى بإجماع أنّها كانت كارثية، بغضّ النظر عن الأسباب والتبريرات الصادرة حولها من مختلف الأطراف.

كان “ليبانون ديبايت” يعتمد بعض التوازن، فيفسح المجال أمام مختلف الآراء، لكنّه في الآونة الأخيرة، أقصى كلّ الأصوات الناقدة لتيار المستقبل، واستبدلها بحملة مركزة وشرسة ضدّ السعودية، وضدّ كل من يسعى لاستنهاضة الحالة السنية خارج دائرة تيار المستقبل، وهذا كان تطوّراً غريباً ومستفِزّاً، للبيئة السنية بشكلٍ خاص، وهي بيئة لا تستسيغ التطاول على المملكة، رغم كلّ ما يحاول خصومها وأعداؤها أن يرموها به من اتهامات بالتقصير أو الإهمال أو ترك الواقع السنّي بدون غطاء خلال المراحل السابقة، غير أنّ الواقع يشير إلى ثبات الرأي العام السني إلى جانب المملكة، وإن كان ينتعش أكثر في حالة المصالحة مع قطر وحضور الكويت وتركيا، فتتراجع عوامل الاضطراب السياسي والاجتماعي.

أهل السنة أهل اعتدال..

قبل الحريري وبعده

ما لم ينتبه إليه الزملاء في “ليبانون ديبايت” هو أنّ الرأي العام السنّي تحرّر من أثقال سعد الحريري وتيار المستقبل وقراراته الإلغائية التي كانت على قاعدة فرعون “لا أريكم إلاّ ما أرى”، وأنّ نظرة عموم أهل السنة، وهم أهل الاعتدال قبل وبعد الحريري، وهم أهل الدولة والعدالة والشراكة، قبل الحريري وبعده، وهم يدركون أنّ موقعهم الاستراتيجي هو بالتعاون مع المملكة العربية السعودية، باعتبارها أرض الحرمين ولأنّها الدولة الوحيدة التي احتضنت لبنان تاريخياً، وكانت حريصة على تنوعه وهويته الإسلامية المسيحية بدون أن يمسّها أذىً أو إكراه أو تغيير في طبيعتها الحضارية.

يعلم أهل السنّة جيداً أنّ خيارات وقرارات سعد الحريري كانت من العوامل التي هدّدت هوية لبنان، لأنّها أتاحت لـ”حزب الله” أن يتوغّل في قلب الدولة وعطّلت دور أهل السنة في المقاومة السياسية، وأدّت إلى فرط تحالف 14 آذار بشكل كامل، وهذا بدوره أدخل البلد في مرحلة المسّ بطبيعته الاستراتيجية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، حيث فقد لبنان ركائزه المصرفية والاستشفائية والتعليمية والإعلامية، وبات واحداً من معازل الإفقار والتجهيل الواقعة تحت الاحتلال الإيراني.

الرأي العام السني تحرّر من أثقال الحريري:

المستقبل مع السعودية

كما يدرك أهل السنّة أنّه لا خلاص وللبنان إلاّ بعودة التوازن الاستراتيجي إليه، وهذا لن يكون بدون حضور السعودية، وبهذا المعنى، فإنّ مستقبل لبنان وأهل السنة فيه، وكيانه الحضاري، مرتبط بالحضور السعودي أولاً والعربي تكاملاً، فلا مجال للمغامرات ولا وقت للكيديات من مجموعة أصبحت تعمل على التخريب فقط.

لا فصل

بين السفير والمملكة

حاول مشغلو حملة “ليبانون ديبايت” أن يفصلوا بين السفير وليد بن عبد الله البخاري وبين قيادته في المملكة العربية السعودية، وهذه محاولة فاشلة لسببين:

ــ الأول: أنّ ما يقوم به السفير البخاري معلوم ومكشوف، تراه قيادته في الرياض ويراه الرأي العام، ولا يحتاج إلى تقارير إعلامية للتحذير من هذه التوجهات، وهذا الخطاب هو خطاب قديم لتيار المستقبل جرى تمريره من خلال الموقع، لكنّه لم يكن ذا وقع ولا أثر.

ــ الثاني: أنّ السبب الحقيقي للحملة على السفير هي أنّه قرّر النزول إلى الأرض وتفقّد أحوال المناطق السنية بنفسه، وهذا ما كشف حقيقة حصاد تيار المستقبل طيلة السنوات التي كان يحظى فيها بالوكالة الحصيرة لأهل السنة، وإذا كان هناك من خطأ وقعت به المملكة يوماً، فهو أنّها استأمنت هذه الفئة على مستقبل أهل السنة وعلى تنمية مناطقهم، حيث انكشف للجميع أنّ ما تلقاه التيار الأزرق وقيادته من دعم، لم يصل ولم يتجسّد مؤسسات صمود اجتماعي واقتصادي كما كان مطلوباً.

فشل الوقيعة بين العشائر

العربية والسفير البخاري

حاول “ليبانون ديبايت” أن يجعل من الالتباس الذي حصل في الفاعور مسألة مفصلية في العلاقة بين العشائر العربية والسفير البخاري، لكنّه تجاهل بشكل فاضح الزيارة الجامعة التي قامت بها العشائر لسفير المملكة، وأكّدت الارتباط الوثيق معه ومع الرياض وأنّ ما جرى لم يكن سوى التباس عابر لم يؤثِّر إطلاقاً على علاقة تاريخية وثيقة بين العشائر والمملكة.

زعم “ليبانون ديبايت” أنّ السفير البخاري حاول إيقاع الفتنة بين لبنان والسعودية، والحقيقة أنّ هذا الزعم يبرز كلّما قام الرجل بمبادرة، حتى لو كانت ذات طابع ثقافي، مثل “فنجان قهوة” وهذا يدلّ على أنّ هناك من يرفض أيّ شكلٍ من أشكال تحرّك السفارة السعودية على الأراضي اللبنانية، وأنّ كلّ تحرّك يجري وصمه بأنّه للفتنة بشكلٍ تلقائي ونمطيّ، لإعاقته وتطويقه وتعطيله بجميع الوسائل.

هل الفتنة أن يدعو السفير البخاري إلى قيام الدولة وتحرير الشرعية ووقف الإرهاب الصادر من “حزب الله” ضدّ الدول العربية، وإلى محاربة الفساد وتنفيذ الإصلاحات كمدخل طبيعي لإعادة دعم لبنان وإخراجه من الكارثة التي تسبّب بها حكم تحالف السلاح والفساد في البلد؟

تقف الحرية الشخصية والإعلامية عند حدود الاعتداء على الآخرين ومصالحهم، والغريب في حرية “ليبانون ديبايت” أنّها تتيح انتقاد تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري وبقية زمرة الفشل الزرقاء تحت سقف معيّن، إلى حين يحصل تدخّل ما فيحصل انقلاب غريب عجيب في المواقف، ويتحوّل الموقع إلى النقيض، مدافعاً عن الحريري وتياره، وكأنّه منزّه عن العيوب، وقد حاول المحلِّلون عبثاً وضع هذه التحوّلات في إطار الحريات الإعلامية الطبيعية، فلم يجدوا سبباً مقنعاً لما جرى سابقاً ويجري حالياً بين هذا الموقع وبقايا تيار المستقبل.

من حقّ “ليبانون ديبايت” أن يتخّذ الموقف الذي يراه مناسباً له، ومن حقّ السعودية أن تفعل ما تراه مناسباً لمصالحها، ومن الأفضل للإعلام اللبناني أن لا يتحوّل إلى نسخ سيئة من “المنار” والعهد”، أو “المسيرة” و”الساحات” فالقضية هنا لم تعد قضية حريات، بل انخراط في حملة استهداف كنّا نتمنى لهذا الموقع الذي حظي بحضور في الساحة السنية أن لا ينخرط فيها، لأنّها تركت آثاراً سلبية على حضوره على المستوى السني أيضاً، فلا يمكن الفصل بين السعودية وأهل السنة في لبنان.

شاركها.