شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

محمد فحيلي

خبير المخاطر المصرفية والباحث في الإقتصاد

الثابت الأكيد هو أن التمسك بقانون السرية المصرفية والتحايل في إدخال التعديلات المزيفة، من قبل مكونات السلطة السياسية الحاكمة، هو لتحصين الفاسد، وليس لتحفيز المستثمرين على توظيف أموالهم في لبنان.

قد يكون لبنان قد إستفاد من قانون السرية المصرفية في الستينات والسبعينات عندما كانت الوديعة المصرفية من أهم الخدمات المصرفية التي قدمتها المصارف التجارية في لبنان، وكان الشمول المالي (Financial Inclusion) خجول جداً، أو حتى لم يكن أحد أهداف السياسات المالية والنقدية. عندها كان من السهل تسويق فكرة أن إمتلاك وديعة في مصرف ما هو إلا إمتياز وليس حق لكل مواطن. وعندما كان لبنان، بسبب تمتعه بقسط وافر من الحرية والديمقراطية مقارنة بجيرانه العرب، جذاب للتنظيمات المعارضة للأنظمة في بلاد الجوار، وجدت هذه التنظيمات في السرية المصرفية عامل داعم لوجودها وإستمرارها بسبب سهولة توفر التمويل.
 
كل هذا تَغَيَر عندما تطور العمل المصرفي وأصبحت الخدمات المصرفية متنوعة ومنعدده وضرورية وإبتدأت المصارف تسعى وراء توسيع رقعة خدماتها وزبائنها. إبتدأت  السرية المصرفية تُصبح مصدر قلق في لبنان في سنة 1996 مع إحتدام المعارك ضد تجار الأسلحة والمخدرات، وتركيز الأسرة الدولية على إنضمام لبنان إلى صفوف محاربة تبييض الأموال الناتجة عن الإتجار غير الشرعي بالأسلحة والمخدرات.  إتفاقية الحيطة والحذر (Due Diligence Convention) كانت الخطوة الأولى في هذه الطريق الطويلة والشاقه.
كان لقانون السرية المصرفية القسط الوافر من الإهتمام لتمكين المصرفيين من المحافظة على مكاسبهم وإرضاء الأسرة الدولية وليس بالضرورة محاربة تبييض الأموال. هذا التوازن كان الهدف الأساسي من صياغة وإبرام إتفاقية الحيطة والحذر بين جمعية مصارف لبنان والمصارف العاملة في لبنان برعاية من مصرف لبنان. وبسبب غياب الإرادة لمحاربة تبييض الأموال أُدرج لبنان في سنة 1999 على لائحة الدول الغير متعاونة في محاربة الإتجار الغير المشروع بالأسلحة والمخدرات وتبييض الأموال التي تنتج عن هذا التبادل.
ومنذ ذلك الوقت إبتدأ إستهداف السرية المصرفية والدعوة إلى التخلي عنها. وجد المتمسكين بهذا الامتياز سبيلاً للمحافظة علية من خلال إنتاج نوع من الضبابية في سياق التفرقة بين السرية المهنية والسرية المصرفية بالإدعاء بأن الإثنين هم وجهان لعملة واحدة ومن غير الممكن التخلي عن واحدة من دون التخلي عن الأخرى! السرية المهنية مقدسة ويجب إحترامها والالتزام بها وهي جزء أساسي من المناقبية المهنية. المقصود بالسر المهني، هو عدم إفصاح الموظف وعدم إدلائه بأي تصريح، أو بيان عن أعمال وظيفته، وعدم إفشاء الأمور التي يطّلِع عليها، بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها، أو بموجب التعليمات. وإجبارية المحافظة على السر المهني مُلزمة للموظفين، حتى بعد مغادرتهم النهائية لوظائفهم.
 
أما السرية المصرفية تعتبر الحاجز القانوني في مواجهة ومحاسبة الفاسد، وكشف خبايا الارقام ومصادر الأموال التي يتلطى خلفها الكثير من الاشخاص الذي عرف عنهم القانون اللبناني 2015/44، وهذا ما جعله ستارا قانونيا ببعد إقتصادي.
 
قد تتداخل السرية المهنية مع السرية المصرفية في العمل المصرفي ولكن الفرق هو أن الإلتزام بالسرية المهنية هو للحفاظ على المصلحة الخاصة للمؤسسة المصرفية من دون أن يسبب ذلك بأذى للمصلحة العامة؛ أما السرية المصرفية يزداد الكلام عنها عند حصول نوع من أنواع الجرم والقضاء بحاجة إلى معلومات لتمكينه من ملاحقة المرتكب ومحاسبته. عندها التمسك بالسرية المصرفية يسبب أذى للمصلحة العامة.

شاركها.