شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

جهاد الصمد تحامل على السعودية وبرّأ إيران من جرائمها في العالم العربي

تفكيك حملة “حزب الله” على دار الفتوى: نصرالله رجل دين أم سياسة؟

أحمد الأيوبي

تولّى النائب جهاد الصمد مهمّة التهجّم على دار الفتوى وسماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، بعد التكليف من غرفة عمليات “حزب الله” بشكلٍ مكشوف وبدون مواربة، حيث كان المشوِّش الأول داخل اجتماع النواب السنة، وكان المستشرش في التطاول على مقام الإفتاء عبر الإعلام، وذلك بمواكبة جوقات الحزب عن يمينه وشماله، في انعكاس لمدى الاختناق الذي تعامل به الحزب مع مبادرة سماحة المفتي الأكبر ونجاحه في لمّ شمل النواب السنّة على الجوامع المشتركة والثوابت الإسلامية والوطنية.

شنّ الصمد حملته من خلال خلال مشاركته في الاجتماع الذي دعاه إليه سماحة مفتي الجمهورية، ومن خلال ورقة قدّمها إليه، كُتبت بالحبر الأصفر، أسماها “مذكّرة الثوابت الوطنية” ضمّنها نظرة “حزب الله” إلى الواقع السنّي بلسان هذا النائب الذي اختار أن يكون رأس الحربة في حملة التشويش على مساعي جمع كلمة النواب السنّة.

أبرز ما قاله جهاد الصمد

قال النائب الصمد إنّه كان ينتظر أن يكون اللقاء بداية لتحوّلٍ ما في دور دار الفتوى الذي كان مختلاً لأنها لم تكن منحازة ولم تكن على مسافة واحدة من الجميع.. وأنّ اللقاء لم يكن على قدر الطموح. العنوان كان مهماً جداً لكنّ المضمون سيء والإخراج أسوأ، نحن لسنا تلاميذ في صفّ فممثلو الأمة ليس عملهم أن يبصموا على لقاء معلّب أو صورة مطلوبة.. كنّا نأمل أن يكون مفتي الجمهورية اللبنانية وليس مفتي البلاط السعودي، خاصة أنّه الوحيد بين المرجعيات الدينية يحمل صفة الارتباط بالجمهورية”.

إعترض النائب الصمد على على ما وصفه بانحياز دار الفتوى لأنّها لم تكن على مسافة واحدة من الجميع.  واعتبر في رسالته إلى مفتي الجمهورية أنّ “دار الفتوى هي المرجعية الدينية لكل المسلمين اللبنانيين أيا كانت مذاهبهم، وكان المفتي ولا يزال مفتي الجمهورية اللبنانية.. لأن الدار هي دار تنظيم لحياة المسلمين الدينية والشرعية أما مرجعيتها السياسية فهي لرئاسة الحكومة ورئاسة مجلس الوزراء. إنني وإن كنت أنتقد محاولة إخضاع دار الفتوى لسيطرة مراجع سياسية، فإنني وبنفس الشدة أنتقد تدخل دار الفتوى في الحسابات السياسية الضيقة وانحيازها إلى البعض، مؤكداً على دورها الديني والوطني والقومي عاملاً مع أهلي على استعادة الاعتدال السياسي لأهل السنة، لأن التفاهم بيننا هو تحمل حقنا بالاختلاف، وذلك لن يكون إلا إذا كانت الدار ومفتيها على مسافة واحدة من جميع أبنائها”.

الحياد بين الحقّ والباطل

انحياز للباطل

كيف يمكن الحياد بين الدولة والدويلة وبين الجيش والميليشيا؟

وتفنيداً لهذا الطرح، نتساءل: كيف تكون الدار منحازة وقد وجّهت الدعوة للصمد لحضور الاجتماع والمشاركة الفاعلة فيه، وهو قد حضر فعلاً وأدلى بدلوه، ثم خرج ليتهم سماحة المفتي بالانحياز.

يدعو الصمد إلى أن تكون غير منحازة في مواقفها تجاه القوى السنية وعلى المستوى الوطني. بعبارة أخرى، يريد لدار الفتوى أن تكون مجرّد صندوق بريد، يتّسع لكلّ ما يُوضع فيه، كما يريد سماحة المفتي حَكَماً بين الجميع.

وهنا لا بدّ من التوضيح أنّ الوقوف على الحياد بين الحقّ والباطل هو في الحقيقة انحياز للباطل. وأنّ الحَكَمَ العادل لا بدّ له أن يحكم فيعطي الحقّ لأصحابه، ويدين أهل الباطل بباطلهم.

فكيف لسماحة المفتي الأكبر أن يكون محايِداً بين الدولة والدويلة، وبين الفوضى والنظام، وبين الشرعية وشريعة الغاب، وبين الجيش اللبناني وسلاحه الشرعي، وبين الميلشيا وسلاح الغدر؟!

صحيح أنّ دار الفتوى لم تنخرط في الصراع السياسي المباشر، لكنّها كانت وستبقى حارسة وحامية الثوابت الإسلامية والوطنية التي لا يمكن أن تقبل التسليم بمنطق الدويلة على حساب الدولة.

من يحدِّد الثوابت؟

تحدّث الصمد في مذكرته التي قدّمها إلى مفتي الجمهورية، وفي حديثه إلى قناة “الجديد” في 27 أيلول 2022 عن “الثوابت الأساسية”. وهنا نسأل: من يحدّد الثوابت؟

نائبٌ فرد يغرِّد مع محورٍ له خصومة بائنة مع مجتمعه الذي ينتمي إليه أم دار الفتوى والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي يعتبر برلمان أهل السنة والجماعة، وهذه الثوابت معروفة ومحدَّدة، وصدرت بتاريخ 10/2/2011 بعد انقلاب “القمصان السود” وقبول الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة بعد الانقلاب على الريس سعد الحريري الذي يدافع عنه اليوم.

ولتذكير النائب جهاد الصمد، فإنّ البيان الذي صدر يومها تناول:”تفاقُم التجاوزات والأطماع باسم طوائف ولمصلحة قوى مهيمنة فيها، تعمل على إخضاع الآخرين لمنطقها السياسي؛ في تجاوزات للدستور أو للنظام العام، فتعتمد تارة الالتفافَ عليهما، وتارةً أخرى الغلبة بالسلاح”. كما أشارت “وثيقة الثوابت” إلى انتهاك الدستور عبر “الإصرار على الترهيب بالسلاح واستخدامه فعلاً في العمل السياسي للتعطيل أو للسيطرة”. فضلاً عن “أسلوب الإسقاط لحكومة الوحدة الوطنية بعد التعهد بعدم الاستقالة، وفي ملابسات التكليف”، ما يعد “خروجاً على مسائل مبدئية، يستحيلُ التسليمُ بها عُرفاً أو ميثاقاً”.

ملاقاة جبران باسيل

العجيب والغريب أنّ النائب الصمد التقى مع النائب جبران باسيل بشكل شبه حرفيّ عند حديثهما عن اتفاق الطائف، ومن دار الفتوى أيضاً.

فالنائب الصمد أعلن تمسكه بـ”اتفاق الطائف نصاً وروحاً، وإن كنت أعتقد أنّ التجربة والممارسة قد أثبتتا بعد أكثر من ثلث قرن حاجتهما الماسة لبعض التفسيرات والتعديلات والإضافات حرصاً على حسن سير المؤسسات الدستورية، ومبدأ فصل السلطات وإرساء دولة الحق والقانون”.

أمّا النائب باسيل فقد قال:”رأينا في لقاء دار الفتوى كلاماً وطنياً لا يختلف عليه لبنانيان وأتينا لنؤكد وقوفنا الى جانب المفتي في كل الكلام الذي صدر لا سيما لناحية الدستور ووثيقة الطائف التي نتمسك بتنفيذها لناحية اللامركزية وانشاء مجلس شيوخ والغاء الطائفية”. وأضاف: “لا بد من معالجة الثغرات في الدستور بما يتوافق عليه اللبنانيون وليس نتيجة تغير معادلات او ظروف خارجية”، وأشار إلى أنّ الطعن بالدستور يكون “عندما لا نطبّقه ولا نطوّره ولا نعالج الثغرات التي فيه”.

أمّا سبب هذا التلاقي، فهو أنّ باسيل والصمد ينهلان من معين واحد هو معين محاربة دستور الطائف والعمل على هدم أركانه انطلاقاً من شعارات الإصلاح والتطوير.

عن دور رجال الدين في السياسة: هل نصرالله رجل دين أم سياسة؟

يكرّر الصمد رفضه أيّ دور لدار الفتوى في الشأن السياسي باعتبارها مرجعية دينية.

وهنا نسأله: هل الأمين العام لـ”حزب الله” رجل دين أم رجل سياسة؟

هل شاهدنا الشيخ حسن نصرالله أو الشيخ نعيم قاسم أو الشيخ هاشم صفي الدين يتحدثون في خطاباتهم عن الطهارة والوضوء، أو عن الزكاة وبرّ الوالدين، أو عن عن الأسرة وتربية الأبناء.. أم أنّ أحاديثهم كلّها في عمق السياسة وتفاصيلها، وفي تحديد الرئاسات وتشكيل الحكومات والوزارات والمدراء بل وحتى الضباط ومأموري الأحراج..

هل يجرؤ النائب الصمد أن يطلب من مشايخ “حزب الله” أن لا يتدخلوا في السياسة وأن ينعزلوا في المساجد والحسينيات ويتفرّغوا للشؤون الدينية والفتاوى؟

وهل سمعنا ردّاً للصمد على الهجمات التي يشنها الشيخ أحمد قبلان بصفته الدينية كمفتٍ في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، على الدستور وعلى الشركاء في الوطن، أم أنّه لا يتعاطى إلاّ بالهجوم على المرجعية السنية حصراً؟

أمّا عن تشديد الصمد على أنّ المفتي هو مفتي الجمهورية، فإنّنا نتساءل: لماذا لم ينتفض للدفاع عن هذه المكانة عندما وجّه السفير الإيراني عدوانه عليها، حينما وصف صاحب الدار بأنّه “مفتي أهل السنة”، أم أنّه ليس مسموحاً له التعليق على السفير باعتباره مرجعية المحور في لبنان؟

ما هي المشكلة

مع الدور السعودي

ما مشكلة الصمد مع الدور السعودي في لبنان، وأين وجد في هذا الدور استهدافاً أو إساءة للدولة اللبنانية؟

الحقيقة أنّ مشكلة الصمد مع السعودية هي مشكلة “حزب الله” معها: في الداخل تريد المملكة الحفاظ على الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي الخارج ترفض عدوانه على العالم العربي، وهو عدوان سياسي مذهبي فاقع ولا يمكن إعطاءه أيّ توصيفٍ آخر.

التحالف مع محور القتلة

يستهدف الصمد الدور العربي السعودي في لبنان، مؤيِداً المحور الإيراني، وهنا لا بدّ من تذكيره بأنّ من يتبعهم في خطهم الاستراتيجي هم أنفسهم المدانون بجريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، الذي ويا للعجب، بات من أكثر المدافعين عنه اليوم، وهم قتلة الشهداء بمن بعد ذلك الاغتيال المشؤوم، وهم مرتكبو جريمة السابع عشر من أيار 2008 وهم مفجِّرو المسجدين ومرسلو المتفجرات مع ميشال سماحة وهم مرتكبو سلاسل لا تنتهي من القتل والإجرام، ومسألة مقاومة العدو الإسرائيلي التي يتذرّع بها للالتحاق بهذا المحور انتهت حراسة حدود وتقاسماً للثروات مع العدوّ وانهياراً شاملاً بعد أن ضرب “حزب الله” علاقات لبنان العربية وخاصة مع السعودية التي يعترض الصمد على تنسيق سماحة المفتي الأكبر مع قيادتها.

دار الفتوى مرجعية وطنية فوق السياسة ومع الدستور

رفض الصمد أن يكون النواب تلاميذاً، معتبراً أنّ مفتي الجمهورية هو المرجعية الدينية للمسلمين فقط ولن يكون المرجعية السياسية للطائفة.. “فاقد الشيء لا يعطيه”.

بالتأكيد، النواب ليسوا تلاميذ في الصف، لكنّ مفتي الجمهورية هو رئيس المسلمين أفراداً ومؤسسات وفق القانون المعمول به في الدولة اللبنانية، وله حقّ الاعتراض على القوانين إذا وجد أنّها تخالف التوازن الوطني، ومقامه ومكانته تدعوه إلى دعوة النواب لرسم خريطة الطريق التي يراها ضرورية لاستنقاذ أهل السنة والبلد عموماً.

وكلّ محاولة انتقاص من هذا الواقع، هي خدمة لإيران التي أعلن سفيرها الحرب على دار الفتوى، وإن حاول الاستدراك بتمتمات لا قيمة لها في السياسة، ونعتقد أنّ ما قاله مقصود ومتعمّد، وهجوم من النقطة صفر على سماحة المفتي دريان.

تبرئة إيران من جرائمها وعدوانها على العرب

في وثيقته التي أعلنها الصمد قدّم صكّ براءة شاملاً لإيران عن دورها في العدوان على العالم العربي، ومتجاهلاً دور طهران وميليشياتها في تخريب العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان.. مقدِّماً رواية بائسة تدّعي أنّ “تحالف البلدان العربية مع الولايات المتحدة الأميركية في الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة قد جر الويلات على شعوب المنطقة سيما في اليمن وسوريا والعراق، انعكست مباشرة على التوازن الداخلي الهش في لبنان وألحق بأهل السنة تراجعا كبيراً”.

تعمّد الصمد التعمية على أيّ دورٍ لإيران في العدوان واحتلال أربع عواصم عربية كما أعلن قادتها، لا بل أوجد لها التبرير في الاعتداء على الدولة في لبنان وارتكاب الجرائم الأمنية والسياسية والوطنية التي أوصلت البلد إلى بؤرة جهنم.

على ماذا يعترض الصمد؟

بعد كلّ ما قاله وقيل في إعلام الممانعة الأصفر عن اجتماع دار الفتوى، نتساءل: علامَ يعترض هؤلاء: هل يعترضون على ترؤّس سماحة المفتي للاجتماع، أم على البيان المتمسك بالدستور أم على جمل الشمل نفسه تحت مظلة المرجعية الإسلامية.. ربما يكون كلّ ذلك معاً، لكنّ الأكيد أنّ كلّ هذه الاعتراضات لم تغيِّر من الواقع شيئاً، ولن توقف مسيرة سماحة المفتي دريان في إعادة التوازن وملء الفراغ في هذه المرحلة الانتقالية التي لا يمكن معها إعادة ترتيب البيت السني إلاّ بالتدخل الحميد المطلوب من سماحة مفتي الجمهورية.

مسيرة الاستنهاض لن توقفها أبواق محور البراميل

لم ينطق جهاد الصمد باسمه فقط، بل إنّه عبّر عن واقع “حزب الله” المأزوم تجاه مبادرة سماحة المفتي عبد اللطيف دريان، كما أنّه مأزوم تجاه غبطة البطريرك بشارة الراعي، اللذان يتلاقيان على رفض استهداف الهوية الوطنية المتنوعة.

قال الصمد ما قاله بعد أن تلقاه من رعاته، ولكنّه لم يمرّ ولم يبلغ هدفه، لأنّ الوعي السنّي العام بات أقوى وأوضح ولم بوسع محور البراميل والناطقين باسمه أن يخادعوا أهل السنة واللبنانيين، وجهود سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ستتواصل حتى إيصال الوطن إلى شاطئ الأمان، بالتعاون مع المرجعيات الدينية والوطنية ولو كره الكارهون، من الضاحية حتى طهران.

شاركها.