عصابات التهجير تقتل المجتمع بإفراغه من أهله وتقتل الضحايا بإغراق الزوارق
دار الفتوى مطالبة بموقف حازم ومبادرة إغاثية بالتعاون مع المجتمع الأهلي

أحمد الأيوبي
في مقاربة ظاهرة الاستنزاف البشري لمناطقنا بات مؤكداً أننا أمام عملية تهجير منظمة، ولسنا أمام هجرة تلقائية عشوائية، لأنّ الهدف الأول مما يجري هو إخراج أهل السنة من أرضهم وبلادهم، وخاصة من عنصر الشباب القادر على تحمّل المسؤوليات ومواجهة التحدّيات، وقد بدأت عمليات تحضير إحلال الغرباء مكانهم، وشاهدنا نماذج دخول الشيعة العراقيين إلى البلد، في اجتياح عددي تجاوز العشرين ألفاً خلال بضعة أيام، بتغطية من رؤوس الدولة جميعاً، مما يجعل احتمال الإحلال المذهبي حاضراً بقوة، فلا يمكن استبعاده بعد كلّ ما جرى من تهجير واحتلال إيراني في سوريا والعراق واليمن.
من أنقذ القبطان وترك الركاب للموت؟
تشير المعلومات العاجلة إلى احتمال إغراق وزرق آخر على متنه المزيد من العائلات التي باعت ما هو فوقها وتحتها لتضع نفسها بين فكّي عصابات القتل والإجرام والمتاجرة بالبشر.
أخشى أن نكون قد دخلنا مرحلة جديدة من عمليات التهجير، وهي تجمع بين الاستنزاف المالي للمغرَّر فيهم، وبين قتلهم وإغراقهم مع عائلاتهم، وبهذا تكسب عصابات الممانعة المال وتغنم التخلّص من أعداد كبيرة من أهل السنة، بدل التورّط في تفجيرات كتفجيرات المساجد كما حصل في استهداف مسجدي السلام والتقوى..

أين دور الممانعة؟
من يملك أن يغطّي كلّ هذه المرافئ المعلومة المجهولة، ومن يستطيع تغطية هذه العصابات المجرمة، خاصة إذا صحّت التسريبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأنّ أبرز المهرّبين سبق أن عملوا في تهريب السلاح إلى فلسطين، وخرجوا بصفقة تبادل قام بها “حزب الله”، ليتضح الخيط الرفيع الذي يكشف سرّ التغطية الواسعة التي تحظى بها هذه العصابات.
هكذا يخرج “الإبداع” الشيطاني لمنظومة الممانعة: اختلاس لأموالنا وقتل لأهلنا وأبنائنا.. ونحذّر من أنّ أغلب الزوارق الخارجة في المرحلة المقبلة، ستتعرّض للإغراق المتعمّد.
لقد كشف أحد النّاجين لوسائل الإعلام أنّ زورقاً حضر إلى مكان الزورق الغارق لينقذ قبطانه وحده، وليترك الركاب يواجهون الموت، وهذا يعني أنّ الأعطال في الزورق كانت متعمّدة على الأرجح، ولذلك كانت المواكبة من الزورق المجهول الذي حضر لإنقاذ عضو المافيا، القبطان دون سواه.
ما يجب أن يعلمه ضحايا الدعاية الكاذبة حول الهجرة
ما يجب أن يدركه أهل السنة الفقراء المستضعفون المظلومون المحاصَرون المتروكون بدون ظهير ولا نصير أنّ بقاءهم في أرضهم أشرف وأكرم لهم من قتل أنفسهم وأولادهم إغراقاً ويأساً، فلا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون، والواجب يقضي بإعمال العقل والابتعاد عن الاستجابة للتغرير والتضليل والاستدراج إلى أوهام الهجرة.
أخطر وأبشع ما في ظاهرة هذا التهجير أن تكون بإرادة الضحايا وهم يساقون إلى حتفهم، وحتف البقية من أهلهم في لبنان. والمرعب في هذا السياق أن نرى غياب الوعي وانعدام الاتعاظ بكلّ ما يجري من أحداث في البحر، وأصبح رمي الأبناء طعاماً لهوام البحر معتاداً، وكأنّ البعض تحوّلوا إلى وحوش، وأغلب الوحوش لا تقتل أبناءها ولا ترمي بهم إلى التهلكة..
ما هذه القسوة التي تسيطر على النفوس والقلوب حتى يضع البعض منا أبناءهم وزوجاتهم في قوارب وهم يعلمون أنّ الموت أقرب إليهم من النجاة.. فهل ينظر هؤلاء إلى أبنائهم بعاطفة الأبوّة، أم بنظرة حسابات الربح المادي والمتاجرة بفلذات الأكباد؟؟!!

أوروبا لم تعد بلد النعيم الموعود
حتى في حسابات الربح والخسارة البحتة، فإنّ بيع الممتلكات والتضحية بكلّ ما هو موجود مقابل رحلة بات الأرجح في خسارة حياة بعض أو جميع الأهل، أمر مستغرب على الفطرة البشرية، فليس هناك مخلوق يتحرّك وفق هذه المعادلة التي ليس فيها سوى تغليب الخسارة.
ما يجب أن يفهمه أهلنا في طرابلس والشمال أيضاً، وهذا شديد الأهمية، هو أنّ أوروبا التي يسارعون ويخاطرون بحياتهم للوصول إليها، لم تعد أوروبا التي كان العالم يعرفها قبل الحرب الروسية على أوكرانيا.
لقد دخلت الدول الأوروبية مرحلة العجز عن تأمين أساسيات الحياة، وخاصة الطاقة، لمواطنيها، وأصبح التقنين في الكهرباء والموارد سيّد الموقف، ولم يعد بإمكانها أن تقدِّم إلى المهاجرين إليها تلك الامتيازات التي كانت متاحة قبل الحرب على أوكرانيا.
هذا يعني أنّ من يهاجر سيعيش على الأغلب، في مخيمات متواضعة، ولن تتوافر له ظروف الحياة الكريمة، ولن يحصل على الجنسية وغيرها من المكتسبات المنتظرة، فهل يستحق هذا الوضع كلّ هذه المخاطرات للعيش في مخيمات شتات لا أحد يعرف مصير من يعيشون فيها لسنوات طويلة.
موقف دار الفتوى والعلماء
ما يجري هو عملية قتل مزدوجة، فهي قتل للمجتمع السني بالهجرة المفتوحة، وقتل للأرواح بقوارب الموت التي لا يمكن أن تكون عملاً عشوائياً، فعمليات التهجير جريمة منظمة تقوم بها عصابات منظمة، تجني الأموال الطائلة وليست مبادرات عشوائية، وقد حان الوقت لتسمية الأمور بأسمائها وكشفها على حقيقتها، ويفترض من المرجعيات الدينية، وخاصة دار الفتوى، أن تتصدى لهذه الحرب التي يتعرّض لها أبناؤها، فتُصدر الفتاوى وتطلق النداءات، وتسعى من خلال الأوقاف، وبالتعاون مع المجتمع المدني لتنظيم حملات إغاثة وتنمية في ظل الكارثة المحدقة بالوجود الإسلامي في لبنان، وما يهدِّد الصيغة الوطنية من باب التهجير والتفريغ السكاني.
