
كتب الدكتور بديع أحمد مطر
عبر فيسبوك
سأتحدث عن الصحافة التي تعتبر أنها السلطة الرابعة وأطيافها
الحقيقة ان الصحافة مهنة شريفة يمارسها أناس شريفون أصحاب رأي وفكر حر ونزيه، قلمهم لا يرتهن ولا يباع ولا يشترى
مع العولمة ومع التطور التكنولوجي ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت مهنة الصحافة بحاجة لإهتمام أكثر من قبل القانونيين والمشرعيين والنقابات. ذلك لأنها تعرضت لعوامل جعلت منها مهنة غير محمية (يستطيع أي كان أن ينشر ما بدى له من دون ان يكون مرخّص له بمزاولة مهنة الصحافة). فلقد أصبح بإمكان أي شخص يحمل هاتف ذكي أن يصوّر وينشر الخبر الذي يريد من دون أن يلتزم بأي ضوابط حقيقية.
كل هذا بسيط بالنسبة لما سيأتي من سطور بعد قليل. فالمخاطر والتحديات التي تحيط بمهنة الصحافة من قبل الصحفيين المرخّصين أشد ضرراً وأكثر فتكاً من المتسلّقين والمعتدين على حرمة مهنة الصحافة.
ففي مطلع القرن العشرين، درج مصطلح جديد على يد الصحافي ويليام راندولف هيرست، الا وهو الصحافة الصفراء.
تعريف الصحافة الصفراء بكل بساطة: هي صحافة تقدم محتوى مثير لكن ركيك / مبتذل أو غير مثبت أو غير شرعي أو غير موثوق أو غير علمي وذلك لغايات مادية بحتة مثل: زيادة في المبيعات والعوائد المالية والأرباح. سمّيت كذلك لأنها كانت تطبع على ورق لونه أصفر، رخيص الثمن، ذا جودة رديئة.
مستهدفات الصحافة الصفراء كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: إذاعة الفضائح وبث الشائعات والترويج للأمور الخلافية وتصوير الشُبْهة على أنها من المسلمات وتلميع القذارة وإفساد المجتمعات.
أما أدوات الصحافة الصفراء فهي أيضا كثيرة، أهمها: المبالغة والإنحياز والتطفّل والتضليل والتحريف والتشويه.
إن الصحافة الصفراء تضرب بعرض الحائط أخلاقيات المهنة ومنهجياتها الصالحة والموثوقة والشفافة والحقيقية. ذلك لأن الجشع يعمي القلوب، فترى كل ما حولها $.
ثم يأتي مصطلح جديد في منتصف القرن العشرين، ألا وهو: “الصحافة السوداء”، وكان ذلك بعد وقوع جريمة قتل لضحية إسمها إليزابيث شورت. كمحصّلة، إن الصحافة السوداء هي أكثر فساداً من الصحافة الصفراء وأكثر خطراً وأشدّ فتكاً بالمجتمعات من جميع الفاسدين على الإطلاق. ذلك لأنها تتلاعب بالمشاعر والأحاسيس، وتنتهز الفرص بغرور، وتزيّن الحقير وتدعوا للرذيلة وتطلق الشعارات الرنانة وتتلاعب بالمقدرات وترمي ببلائها على الناس.
إن الأقلام الرخيصة من أتباع الصحافة الصفراء والسوداء لا تخفى على الكيّس الفطم ولا تغرّ أصحاب العقل والمنطق، ولا تختلط على الرشيد.
لقد عمد بعض المرشحين التافهين الى اللجوء الى الأقلام الرخيصة والطرق الملتوية والمشبوهة، بمحاولة لتسليط الضوء عليهم بطرق مكشوفة لكنها مضحكة ومسلية للغاية، ليتمكنوا بعد ذلك من التغرير بالمجتمع والإيقاع به في شباكهم ليفترسونه.
إن اللعب على وتر الصحافة الصفراء والسوداء مستهلك ومكرر ومكشوف ومستنكر، ويذكرني بالطالب الكسول والغشاش الذي لا يتردد بإضاعة الساعات والساعات لكي يحضر “روشيتا” ليستعملها وينقل منها أثناء الإمتحان، فلو إستثمر هذا الطالب وقته في الدرس الجاد عوضاً عن تحضير الروشيتات، ألم يكن أفيد وأبرك له ولمجتمعه من كبّ الحرام؟!
لكن التعويل على العقول النيرة والآراء الراجحة والأمة الراشدة والنظرة الثاقبة عند الشعب، يبقى هو الأمل الحقيقي للنجاة من براثنهم. كما وأن إعتماد اليقظة والتبيّن والحذر، هم جميعهم مفاتيح الحقيقة والإنجاز والفلاح.
ستظل مهنة الصحافة من أشرف المهن وأنبل المهن مهما نزل بها من قليلي القيم، وعديمي المسؤولية، فسوف تلفظهم لتبني مناعتها وقدراتها بأيديها، لتبقى عصيّة على كل معتدي، مشبّعة بالقيم، مزوّدة بالمهنيين الأكفاء.
إن السلطة الرابعة لهي نورٌ من أنوار الأمة، ترفع الوعي وتنقل الحقائق وتثري الفكر وتعزز الرأي وتحصّن المجتمع وتكشف الفاسد وتنصف المظلوم وتبلسم الجروح وتطفئ الفتن وتجسّر الفجوات المجتمعية.
وزع شوكولاتة وطعميهم.
