خاص – “القرار”
يتجه الاعتراض على قرار المجلس الدستوري المتعلق بتعديلات قانون العفو العام نحو تصعيد سياسي جديد، مع تحرك نواب السنة لمتابعة القضية والاعتراض على قرار جاء، بحسب موقفهم، مخالفاً للتوافق السياسي الذي سبق إقرار القانون. وتتركز علامات الاستفهام حول خلفيات القرار والجهات المؤثرة في مسار الحياة السياسية، في قضية تتجاوز الخلاف القانوني لتطال الشراكة الوطنية والسلم الأهلي وصلاحيات المؤسسات الدستورية.
وفي هذا السياق، كشف النائب أحمد الخير عن تحركات يجري الإعداد لها رداً على قرار المجلس الدستوري، موضحاً أن يوم الاثنين المقبل سيشهد اجتماعاً لنواب السنة في مجلس النواب، على أن يتخلله لقاء مع مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج ورئيس الحكومة نواف سلام، لمتابعة الاعتراضات على تعديلات قانون العفو العام.
ورداً على سؤال حول مدى انزعاج رئيس الحكومة مما حصل، قال الخير إنه لا يعلم موقف سلام على وجه التحديد، لكنه أشار، وفق المعلومات المتوافرة لديه، إلى عدم وجود رضى على مستويات مختلفة، معتبراً أن المجلس الدستوري تجاوز صلاحياته في مقاربته لهذا الملف.
وذهب الخير أبعد من الاعتراض على القرار نفسه، متوقفاً عند طبيعة العوامل التي تؤثر في عمل المجلس الدستوري، إذ رأى أن قراراته تتأثر، إلى جانب الاعتبارات القضائية، بالتوافقات والخلافات السياسية، فضلاً عن الحسابات الأمنية والمالية، معتبراً أن هذه العوامل تحضر في طريقة التعامل مع الملفات المطروحة.
وفي ما يخص قانون العفو العام، شدد الخير على أن إقراره جاء نتيجة توافق سياسي واسع وموافقة الرؤساء الثلاثة، الأمر الذي يطرح، برأيه، علامات استفهام حول صدور قرار مناقض لهذا التفاهم. وأكد أن القضية تتجاوز قانوناً إدارياً عادياً، نظراً إلى ارتباطها بالشراكة الوطنية والسلم الأهلي، في ظل مظلومية كبيرة يرى أنها لا تزال قائمة.
ومن هنا، انتقل الخير إلى السؤال الأساسي الذي يشغل موقفه، متسائلاً عن الأساس الذي استند إليه المجلس الدستوري في قراره، وعن الجهة التي تتحكم فعلياً بمسار الحكم في لبنان. وقال: “بالتالي هناك من حاكم البلد، هل الأحزاب السياسية مثلا، الرئاسات، أو هناك من يحكم البلد لم نعرفه” في إشارة إلى أن الخلاف، وفق قراءته، يتجاوز قانون العفو ليصل إلى هوية الجهة التي تملك القرار السياسي والسيادي في البلاد.
ولفت الخير إلى وجود اعتراض من حزب الله والتيار الوطني الحر، من دون أن يحصر المسؤولية بهذين الفريقين، متوقفاً عند مسألة تحديد اقتراح القانون، ومتسائلاً عن موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الجمهورية جوزاف عون مما جرى، بعدما كان القانون قد حظي بموافقة الرؤساء الثلاثة.
وفي تصعيد واضح، اتهم الخير المجلس الدستوري بأخذ دور المشرّع وفرض توجهاته على الجسم القضائي، مؤكداً أن اعتراضه لا يستهدف الانتقاص من صلاحيات المجلس النيابي، وإنما يرتبط بموقع القرار السياسي والسيادي في الدولة. وقال: “وجهت سؤال شي أساسي، القرار السياسي والسيادي في هذا البلد هو بالمجلس النيابي، رؤساء الثلاث أو بمكان آخر؟”.
وأضاف أن القانون حظي باحتضان سياسي واسع قبل صدور قرار المجلس الدستوري، الذي اعتبره مناقضاً للتوافق السابق وخارجاً عن قرار مجلس الوزراء وموقف رئيس الجمهورية. وطرح تساؤلات حول وجود جهة تتحكم باللعبة السياسية والاقتصادية والمالية، وصولاً إلى ملف السلاح والسيادة، معتبراً أن استمرار السلاح غير الشرعي يرتبط بتأثير حزب الله، ومشدداً على أن الحزب لا يتحرك وحده، وإنما هناك جهات تساعده.
وعندما سُئل عن الجهات التي يقصدها، سمّى الخير التيار الوطني الحر، إلى جانب ما وصفه بوجود أطراف كثيرة داخل المنظومة الأمنية والقضائية والسياسية تساعد حزب الله. وفي موقف مباشر، قال: «ما حدا يتذاكى علينا بقى»، مشدداً على أن الحزب لا يستطيع الإمساك باللعبة السياسية وحده.
كذلك، وجّه الخير انتقادات مباشرة إلى التيار الوطني الحر، متهماً إياه بتقديم مصالحه الخاصة على المصلحة الوطنية، معتبراً أنه قد يلجأ إلى ضرب مفاعيل الدولة اللبنانية إذا اقتضت حساباته ذلك، مستشهداً بما حصل خلال عهد الرئيس السابق ميشال عون. وأضاف أن التيار لن تكون لديه مشكلة في تقوية حزب الله على حساب الدولة إذا اقتضت مصالحه ذلك، وفق تقديره، معتبراً أن غاياته الشخصية وحساباته الخاصة لا تزال حاضرة في المشهد اللبناني.
وبين التحركات النيابية المرتقبة والاعتراضات التي يطرحها الخير، يتجه ملف العفو العام إلى مزيد من التجاذب السياسي، بعدما انتقل النقاش من مضمون التعديلات إلى حدود صلاحيات المؤسسات والجهات المؤثرة في القرار اللبناني. ويتمحور اعتراض الخير حول صدور قرار يناقض توافقاً سياسياً شاركت فيه الرئاسات الثلاث، في قضية يعتبر أنها تمس الشراكة الوطنية والسلم الأهلي، وتعيد طرح السؤال عن الجهة التي تملك الكلمة الفصل في القرار السياسي والسيادي في لبنان.

