شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

تفشّي الوباء حدِّ من عملنا وشلَّ القطاع.. إلا للحالات الطارئة

الأزمات أرخت بثقلها على قطاعنا.. وتفاؤلنا بما بعد الانتخابات خاطئ

غادرنا حوالى 20% من الأطباء الأكفّاء والخوف من ارتفاع العدد أكثر

اضطررنا لتغيير نوعية المواد المستعملة بسبب إغلاق الشركات العالمية

أسعارنا تراجعت لتتماهى مع رواتب اللبنانيين وأصبحت أرخص للوافدين

حوار: الدكتورة مهديه فتاح

مؤكداً أنّ جائحة “كورونا” تسبّبت بحالة من الشلل في القطاع الطبي عموماً، وطبابة الأسنان على وجه التحديد، وحدّت من سير عمله إلا للحالات الطارئة جداً.. وإذ كشف عن إصابة عدد كبير من أطباء الأسنان واستشهاد اثنين منهم، جزم بأنّ هذه الإصابات لم تكن نتيجة تناقل العدوى داخل العيادات أبداً.

وفيما أعرب عن حالة من التفاؤل بأوضاع البلد على المدى البعيد، أكد أنّ المستقبل اللبناني القريب عموماً، وعلى صعيد قطاع طب الأسنان، لا يزال ضبابياً وغامضاً حتى تاريخه، نتيجة لحرب الدولار، والأزمات المتوالية، وعدم توافق التوقعات الإيجابية للبلد مع ما بعد الانتخابات.

وبينما نفى تراجع كفاءة الأطباء اللبنانيين بسبب تدنّي الأوضاع المأزومة، أوضح أنّ التغيير في نوعية المواد العلاجية المستعملة فُرِض على الأطباء بسبب انسحاب العديد من الشركات العالمية من السوق اللبنانية.

إنّه نقيب أطباء الأسنان في الشمال الدكتور ناظم حفّار، الذي كشف عن هجرة 20% من كفاءات القطاع، لكنه توقّع تحسّناً كبيراً في نسبة الإقبال العلاجي من المغتربين خلال موسم الصيف، داعياً الأطباء الجُدُد إلى القليل من الصبر، والتعامل الجيد مع المرضى.

أما مضمون الحوار مع الدكتور حفّار.. فهو التالي:

*إلى أي حدٍّ أثّرت أزمة تفشّي جائحة “كورونا” على قطاع طب الأسنان في لبنان، وكيف واجهت النقابة الأمر؟

– مع تفشّي جائحة “كورونا” حول العام، ووصولها إلى لبنان، وبدء سريان الإقفال العام في البلد في آذار 2020، واجه أطباء الأسنان في لبنان كما سائر البلد، فترة صعبة جدّاً، نتيجة الإلتزام التام بالإقفال لحوالى الـ7 أسابيع، دون أنْ يفتح أيٌّ من الأطباء أبواب عيادته، إلا تلبية لنداء المرضى من الحالات الطارئة والمستعصية على المُسكّنات، إذ تحت وطأة وضغوط الألم الذي يعانيه المرضى، كان الأطباء يُرغَمون على مواصلة العمل، مُتّخذين كافة التدابير الاحترازية والوقائية، من ألبسةٍ خاصّة، إلى أكثر من قناع على الوجه وقفّازات، ناهيك عن الاستمرار في التعقيم بين خطوة وأخرى. أما بعد انتهاء الإقفال للمرّة الأولى والثانية، ومؤخّراً مع انتهاء التدابير، بدأ الأطباء بالعودة إلى العمل الطبيعي بشكل تدريجي، في ظل استمرار أقصى درجات الإلتزام بالوقاية الصحية.

*هل أُصيب عددٌ كبيرٌ من أطباء الأسنان بجائحة “كورونا”؟ وهل تلقّت النقابة أي شكوى من مواطنين يدّعون الإصابة بالعدوى من عيادة أحد الأطباء؟!

– في الأصل، أنْ يدّعي أيٌّ كان بأنّه أُصيب بالعدوى من إحدى عيادات أطباء الأسنان، فهذا أمر أكاد أجزم بأنّه صعبٌ جداً، بل شبه مُستحيل، نتيجة لاتخاذ الأطباء مستويات قصوى من الاحتياط والانتباه إلى كل شاردة وواردة في ما يتعلّق بالتعقيم والنظافة، ومنعاً لتحوّل العيادات إلى بؤر تفشٍّ، كما لتاريخه لم يُسجّل أنْ انتقلت عدوى من عيادة طبيب أسنان إلى مريض أو العكس..

أما في ما يتعلق بإصابات الأطباء، فللأسف نعم هناك حوالى الـ150 طبيباً أُصيبوا بالعدوى، كما فقدنا زميلين بسب الجائحة، ولكن يمكنني تأكيد أنّه حتى إصابة الزملاء الأطباء لم تكن عبر عياداتهم أو مرضاهم، بل يوميات حياتهم الاجتماعية، من لقاءات أو نوادٍ رياضية أو سوبر ماركت وسواها.

*ما مدى التأثير الاقتصادي الذي أرخاه تفشّي الوباء على عمل وحياة أطباء الأسنان؟

– على الرغم من الإغلاق العام والتام، وعلى الرغم من التدابير الاحترازية التي فرضها Covid19، إلا أنّ التاثير السلبي الأكبر الذي فُرِض على حياة وعمل الأطباء في لبنان عموماً، وأطباء الأسنان على وجه التحديد، كان ولا يزال بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة جداً، والظروف المعيشية الصعبة نتيحة انهيار العملة الوطنية مقابل الدولار، فمُطلق المواد التي يستخدمها الأطباء في عملهم، مُستوردة من الخارج، ويُدفَع ثمنها بالعملة الصعبة، الأمر الذي فرض علينا رفع أسعار العلاج، ما أوجد صعوبة كبرى في التوازي بين أسعار العلاجات وموادّها الأساسية، وبين الرواتب التي يتقاضاها المواطن بالليرة اللبنانية، بحيث كانت الفترة الأولى من الأزمة الأكثر قسوة وصعوبة، لكن تدريجياً، ومع شبه التأقلم، وتحوّل الرواتب إلى “الدولرة” لدى نسبة كبيرة من الناس، أصبح بالإمكان الموازنة بين الأسعار والرواتب، ناهيك عن أنّ الأطباء وحتى يومنا هذا يخفّضون من مستوى أرباحهم بشكل كبير، لمواكبة الوضع المحلي، فما كانوا يتقاضون عنه 100$ أصبح اليوم 70 أو 60$ على سبيل المثال.

*يدفعنا جوابكم إلى السؤال عن تأثير تدنّي دخل الفرد اللبناني على النوعية والكفاء اللتين يتميّز بهما طبيب الأسنان اللبناني؟

– لناحية كفاءة الأطباء حتماً لا تأثير أبداً، أما بالنسبة إلى المواد الأوليّة المستعملة، فحُكماً وبسبب اعتكاف العديد من الشركات العالمية عن العمل في السوق اللبنانية، ما أدّى إلى نقض في أساسيات العلاج، كان على الأطباء البحث عن مصادر أخرى، ولو كانت أقل جودة، وذلك تلبية لإسكات آلام الناس الذين عملياً تدنّت قدرتهم الشرائية بنسبة كبيرة جداً، ولكن رغم ذلك، آثر العدد الأكبر من الأطباء المحافظة على أسمائهم ومكانتهم ولو على حسابهم الخاص، فأبقوا على نوعيات المواد التي يستخدمونها ولو كان بخسارة، بعد ارتفاع فرق ثمنها ما بين الليرة اللبنانية والدولار.

*بعد كل الأحداث الأمنية، السياسية، الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على لبنان في العامين الأخيرين، هل يمكن اعتبار أنّ لبنان لا يزال وجهة سياحية طبية، أو كما يُقال مُستشفى الشرق الأوسط؟!

– أبداً لا يمكننا المقارنة بين الأوضاع التي يمر بها اللبنانيون حالياً، وبين تلك التي كانت قبل سنتين، خصوصاً نتيجة لـLock Down وقيود السفر في لبنان وحول العالم، ما حدَّ من الزيارات إلى لبنان، وخفّف بنسبة كبيرة جداً من المرضى القادمون من الخارج لأي نوع من العلاجات. ولكن بعد تحسّن الأحوال الوبائية مؤخّراً، ورفع قيود التفشّي، فإنّ أكثرية المغتربين اللبنانيين بدأوا مع بدء موسم الصيف، بالعودة إلى بلدهم الأم لزيارة الأهل ولتلاقي العلاج لأسنانهم، كونهم يثقون بالمستوى الطبي المُتقّدم في بلدنا، وبخبرة الأطباء..

ومن الجدير الإشارة إلى أنّ العلاجات في لبنان أصبحت أرخص بالنسبة إلى الوافدين من الخارج، كون الدفع بالدولار، وهو ما يدفع أيضاً بالطبيب إلى الحفاظ على مستوى عمله وجودة موادّه الأولية، تأميناً لاستمرار وسيرورة العمل.

*كنقابة ما الدور الذي قمتهم به لمواجهة كل هذه الإشكاليات؟!

– كل التقدير والاحترام للنقيبة السابقة رولا ديب، التي حاولة جاهدة مع كل الوزارات المعنية، إلا أنّ أوضاع البلد كانت تحول دون أي تقدّم، وبما أنّنا اليوم لا نزال في طور الانهيار، فإنّ النقابة لم تستطع القيام إلا باليسير، كتأمين “بنج مدعوم” لمدّة عام ونيّف، ما ساعد الأطباء في التخفيف من أسعار العلاجات التي يقدّمونها، ولكن مع توقّف الدعم اليوم، لم يعد أمامنا سوى البحث للأطباء عن عروض وتأمين أسعار مواد جيدة، إلا أنّ آلية العمل تسير بشكل محدود جداً في مواجهة الانهيار الكبير.. أما على صعيد المنظمات والجميعات، فلا دور للنقابة في التعامل معها، لكن هناك العديد من الأطباء على تماس مُباشر مع الـNGOs أقلّه لتوفير الطبابة لموظّفي القطاع العام، الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة، لكنها (المنظّمات) تدفع للأطباء بالدولار لقاء عملهم داخل مستوصفاتها ومراكزها، وبالتالي المريض يدفع نسبة قليلة من العلاج والمنظمة تدفع الفرق بالدولار.

*كيف يمكن تقييم وضع مهنة طب الأسنان في لبنان اليوم؟!

– مررنا بظروف أكثر من صعبة، وأكثر حتى من سيّئة جداً، وساورتنا الشكوك حول مدى إمكانية المتابعة بنفس المستوى الذي كنّا عليه سابقاً، لاسيما بسبب الأوضاع الاقتصادية المزرية، ولكن منذ فترة قليلة بدأت الأحوال بالتحسّن، على الرغم من بعض النقص في المواد الأساسية، خصوصاً عدم توافر “البنج”، وهو ما يشكّل صعوبة على الأطباء للقيام بعلاج مرضاهم، ويُرخي الكثير من العراقيل والعقبات أما العودة الصحيحة للقطاع إلى ما كان عليه، ولستُ أدري صراحة إنْ كان سيتم فتح اعتمادات لمساعدة أطباء الأسنان من أجل شراء المواد اللازمة، ووفقاً لأي سعر (صيرفة، السوق الموازية)، مع الإشارة إلى أنّنا سبق وتوقّعنا تحسّن الأوضاع إثر الانتخابات، إلا أنّ الواقع يُشير إلى العكس نتيجة لحرب الدولار، لتصطدم توقعاتنا بخيبة أمل، ولكن يبقى التعويل على موسم صيف واعد بقدوم المغتربين وتلقيهم العلاج في لبنان.

*إلى أي مدى تسبّبت الأزمات المتوالية بإغلاق عيادات في لبنان؟، وكيف يمكن قراءة مستقبل مهنة طب الأسنان في لبنان؟!

– تسبّبت الأزمات بإغلاق عدد كبير من العيادات، ولا تزال تتسبّب بذلك، حيث هناك العديد من الأطباء في طور إغلاق عياداتهم، نتيجة إرسالهم إفادت إلى النقابة تُفيد بأنّهم يراسلون مراكز علاجية في الخارج للعمل لديها، بمعنى آخر عدد كبير من الأطباء هاجروا وعدد آخر على وشك الهجرة، ما يعني أنّ القطاع خسر ما بين 15 إلى 20 % من أطبائه، وهي نسبة تُعتبر عالية، والخوف من ارتفاعها المستمر، نتيجة كما سبق وقلت الإفادات عن طلبات للعمل في الخارج، يُضاف إلى ذلك الزملاء الذين داهمتهم سنوات العمر، وآثروا التقاعد عن العمل، كون الظروف تزداد سوءاً والأزمات تتفاقم..

أما في ما يتعلّق بمستقبل المهنة، فكما قلت على المدى المنظور الأزمات تتفاقم، والصورة غامضة وضبابية، لكن في المستقبل البعيد، طبعاً لا أرى إلا التفاؤل والأمل، لأنّ اللبناني مفطور على التفاؤل والأمل وإرادة وحب الحياة، والأغلبية العظمى من الأطباء الذين آثروا البقاء لأنّهم يرون بصيص أمل في آخر النفق، لا بُدَّ وأنْ نبلغه، فهذه أزمة وستمر إن شاء الله.

*وختاماً بماذا تنصح الأطباء من الخرّيجين الجُدُد في ظل الإحباط الذي يغرق فيه البلد؟!

– الصعوبات التي تواجه الخرّيجين الجُدُد هي أمر طبيعي، سواء مع أزمات أو دونها، ولا علاقة لها أبداً بالظروف الصعبة، إذ إنّ الخريجين دائماً يواجهون صعوبات في السنوات الأولى من عملهم في الميدان الطبي، كون الناس يتوجّهون إلى الأطباء المعروفين، وأنا مثلاً عند عودتي إلى لبنان منذ حوالى 17 عاماً استغرب أستاذتي من الأطباء الكبار عودتي إلى البلد، ووصفوها بالجنون، لكن مقارنة مع ما نعيشه اليوم، يمكن وصف ما كان يجري في تلك الفترة بالأيام الجيدة نسبياً، من هنا فمع القليل من الصبر والتعامل الجيد مع المرضى وحُسن الأخلاق، سيكوّن الأطباء الجُدُد إسماً، ويتحوّلون بدورهم إلى أصحاب خبرة، ويتجاوزون الصِعاب، والملاحظ مؤخراً هو العيادات المشتركة التي يعمد من خلالها الأطباء إلى تقاسم التكاليف والتخفيف من الأعباء.

شاركها.