خاص – موقع القرار
لم يعد ملف مستشفى الرسول الأعظم التابع لحزب الله محصوراً في التدابير المصرفية التي اتخذها مصرف لبنان، بعدما باتت علاقاته المالية ومصادر الأموال التي تدخل إلى حساباته تحت دائرة التدقيق، في تطور يضع المؤسسة الصحية أمام تساؤلات جدية حول المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل ارتباطها المصرفي ببنك صادرات إيران، الذي سحب مصرف لبنان ترخيصه المحلي وشرع في إجراءات إنهاء أعماله داخل لبنان، على وقع الضغوط الأميركية المتصاعدة لمنع استخدام النظام المالي اللبناني في تمرير الأموال المرتبطة بطهران.
وتكتسب هذه القضية حساسية استثنائية مع توجه مصرف لبنان إلى وقف التحويلات المالية المباشرة إلى المستشفى، تجنباً لأي تعاملات قد تعرض المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية لمخاطر العقوبات الأميركية. فالعلاقة المصرفية مع بنك صادرات إيران باتت إحدى النقاط الأساسية التي تستدعي التدقيق، خصوصاً بعد قرار سحب ترخيصه وتحديد مهلة لاستكمال تصفية أعماله ونقل حساباته، على أن تنتهي هذه الإجراءات مع مطلع عام 2027.
وفي معلومات خاصة لـ”موقع القرار”، تكشف مصادر أميركية وثيقة أن المقاربة الأميركية لم تعد تقتصر على تجفيف مصادر التمويل المباشر لحزب الله، إذ باتت تشمل أيضاً القنوات التي يمكن استخدامها لإيصال الأموال إليه بصورة غير مباشرة، سواء عبر مؤسسات صحية أو مصرفية أو مالية، أو من خلال وسطاء وشبكات تجارية ومتمولين ينشطون في أكثر من دولة. وتبرز في هذا السياق فنزويلا وكولومبيا والبرازيل، حيث تتابع الجهات الأميركية نشاط شبكات مالية وتجارية تحوم حول بعضها شبهات تتصل بتجارة المخدرات والاتجار غير المشروع، وباستخدام عائدات هذه الأنشطة في توليد أموال يجري تعقب مصادرها والجهات التي تستفيد منها.
وتوضح المصادر أن واشنطن باتت تتعامل مع المؤسسات المرتبطة بإيران من منطلق مالي يتجاوز طبيعة نشاطها المعلن، مع التركيز على هوية الجهات التي تمولها، والطرق التي تسلكها التحويلات للوصول إليها، والأفراد والشركات الذين يتولون تأمين هذه الأموال أو نقلها. فالمسألة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية ترتبط بمصدر التمويل ومساره والجهة المستفيدة منه، وأي علاقة مالية تثبت صلتها بجهات إيرانية مدرجة على لوائح العقوبات يمكن أن تضع المؤسسات والأشخاص المعنيين أمام إجراءات وملاحقات مالية أميركية.
وتأتي هذه التطورات في وقت كثفت فيه وزارة الخزانة الأميركية ملاحقتها لشبكات تمويل حزب الله، بعدما أعلنت في 20 آب 2026 فرض عقوبات على شبكة متهمة بنقل مئات ملايين الدولارات إلى الحزب عبر وسطاء يتولون نقل الأموال النقدية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، بعيداً عن القنوات المصرفية الرسمية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تكشف أن الرقابة الأميركية لم تعد محصورة بالحسابات والتحويلات المصرفية التقليدية، وإنما تشمل أيضاً حركة النقد والوسطاء الذين يتولون نقل الأموال عبر الحدود.
وفي السياق نفسه، وسّعت عملية “العزلة الاقتصادية” التي أطلقتها وزارة الخزانة الأميركية في أيلول الماضي دائرة الملاحقة لتشمل الشبكات التي توفر لحزب الله الدعم المالي واللوجستي، مع تشديد واشنطن على استهداف كل جهة تساعده في الحصول على الأموال أو الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران. وهذا المسار يضع المؤسسات والشركات والوسطاء الذين تتقاطع معاملاتهم مع جهات إيرانية خاضعة للعقوبات أمام تدقيق متزايد، حتى عندما لا تكون طبيعة نشاطهم المعلن ذات طابع سياسي أو أمني.
وعليه، لا يعني هذا التصعيد أن واشنطن اتخذت حتى الآن قراراً بفرض عقوبات مباشرة على مستشفى الرسول الأعظم، إلا أن استمرار ظهور قنوات مالية أو تحويلات مرتبطة ببنك صادرات إيران، أو ثبوت وجود جهات خاضعة للعقوبات تتولى تمويله بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قد ينقل القضية إلى مستوى مختلف تماماً. فالسؤال الذي بات يفرض نفسه لم يعد متعلقاً فقط بمصير العلاقة المصرفية بين المستشفى والمصرف الإيراني، وإنما بمدى استعداد واشنطن للانتقال من ملاحقة قنوات التمويل إلى استهداف المؤسسات التي قد تكون مستفيدة منها، وهو احتمال يضع مستشفى الرسول الأعظم أمام مرحلة مالية شديدة الحساسية.
