بقلم: د. عبدالرزاق القرحاني
6 تشرين الثاني 2026
شهدت الولايات المتحدة الأمريكية في 3 تشرين الثاني 2026 الإنتخابات النصفية للكونغرس، وهي إنتخابات تُجرى في منتصف الولاية الرئاسية، وتكتسب أهمية إستثنائية لأنها تحدد طبيعة العلاقة بين الرئيس دونالد ترامب والسلطة التشريعية خلال النصف الثاني من ولايته.
تشير النتائج الأولية والتقديرات الإعلامية المنشورة حتى 5 تشرين الثاني إلى فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية مجلسي الكونغرس، في تحول سياسي بارز بعد سيطرة الجمهوريين عليهما.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس (AP)، أعلنت الوكالة حسم السيطرة الديمقراطية على مجلس الشيوخ ليلة 3 تشرين الثاني، وعلى مجلس النواب في الساعات الأولى من 4 تشرين الثاني.
وعليه، فإن الأرقام الواردة في هذه القراءة يجب التعامل معها باعتبارها أرقاماً أولية متغيرة، ما لم يرد تأكيد رسمي نهائي بشأنها.
وبناء على المصدر التالي: مختبر الانتخابات بجامعة فلوريدا (UF Election Lab)، في 5 تشرين الثاني 2026 كانت نسبة المشاركة الوطنية التقديرية (49.42%) وعدد الأصوات المقدّر (124.33 مليون) وكانت أعلى مشاركة في مينيسوتا (66.52%)، ثم مين (65.86%)، ثم ميشيغان (63.65%).
وجاءت أدنى مشاركة في وست فرجينيا (35.05%)، ثم هاواي (37.96%)، ثم أوكلاهوما (37.11%).
أما نسبة الاقتراع في كافة الولايات حتى تاريخه كانت كالتالي: ألاباما Alabama (44.22% ) – ألاسكا Alaska (45.44%) – أريزونا Arizona )(44.33% – أركنساس Arkansas )(39.67% – كاليفورنيا California )(48.75% – كولورادو Colorado (61.82%) – كونيتيكت Connecticut (49.38%) – ديلاوير Delaware (47.98%) – فلوريدا Florida (48.65% )- جورجيا Georgia (54.26%) – هاواي Hawaii (37.96%) – أيداهو Idaho
(46.21%) – إلينوي Illinois (47.59%) – إنديانا Indiana (39.45%) – آيوا Iowa (57.77%) – كانساس Kansas (53.26%) – كنتاكي Kentucky (41.97%) – لويزيانا Louisiana (43.45%) – مين Maine (65.86% ) – ماريلاند Maryland (51.69%) – ماساتشوستس Massachusetts (53.48%) – ميشيغان Michigan (63.65%) – مينيسوتا Minnesota (66.52%) – ميسيسيبي Mississippi (44.50%) – ميزوري Missouri (45.08%) – مونتانا Montana (55.99%) – نبراسكا Nebraska (57.77%) – نيفادا Nevada (46.99%) – نيو هامبشير New Hampshire (59.37%) – نيوجيرسي New Jersey (45.48%) – نيو مكسيكو New Mexico (47.38%) – نيويورك New York (47.41% ) – كارولاينا الشمالية North Carolina (50.20%) – داكوتا الشمالية North Dakota (40.68%) – أوهايو Ohio (52.23%) – أوكلاهوما Oklahoma (37.11%) – أوريغون Oregon (61.71%) – بنسلفانيا Pennsylvania (51.50%) – رود آيلاند Rhode Island (44.37%) -كارولاينا الجنوبية South Carolina (49.88%) – داكوتا الجنوبية South Dakota (46.42%) – تينيسي Tennessee (38.18%) – تكساس Texas (48.82%) – يوتا Utah (47.63%) – فيرمونت Vermont (58.94%) – فرجينيا Virginia (56.21%) – واشنطن Washington (51.39%) – وست فرجينيا West Virginia (35.05%) – ويسكونسن Wisconsin (60.33%) – وايومنغ Wyoming (43.64%)
مع الملاحظة: أن هذه النسب ليست نهائية رسمياً في جميع الولايات. وتوضح جامعة فلوريدا أن بعض الولايات، ولا سيما كاليفورنيا وواشنطن، لا تزال لديها أصوات بريدية قيد العد، وأن الأرقام قد تتغير بعد التصديق النهائي.
أما النتائج الحزبية في مجلس الشيوخ والنواب، ووفق التقديرات المنشورة في 5 تشرين الثاني، حسم الديمقراطيون 54 مقعداً على الأقل، مقابل 44 للجمهوريين، فيما بقيت المنافسة في ألاسكا وميسيسيبي غير محسومة في ذلك التوقيت.
ومن أبرز الولايات التي شهدت تحولاً لمصلحة الديمقراطيين: تكساس – كارولاينا الشمالية – كارولاينا الجنوبية – أوهايو – آيوا – كانساس -مين. ويمكن ربطها بنسبة الإقتراع المذكوره أعلاه في تلك الولايات.
وهذه النتائج ذات دلالة كبيرة، خصوصاً أن بعض هذه الولايات كانت تُعد تقليدياً أقرب إلى الجمهوريين.
ووفق أحدث جدول تجميعي متاح من Ballotpedia بتاريخ 5 تشرين الثاني، كانت الأرقام على النحو التالي: الديمقراطيون (233) – الجمهوريون (138) – أما المقاعد التي لم تُحسم (64) – المجموع (435).
وتشير تقديرات شبكة CBS إلى إمكانية وصول الديمقراطيين إلى نحو 256 مقعداً، مع إستمرار فرز الأصوات في عدد من الولايات.
التقديرات الأولية تشير إلى أن الديمقراطيين تمكنوا من استعادة السيطرة على المجلسين معاً، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في موازين السلطة في واشنطن.
حيث شكلت نتائج هذه الانتخابات النصفية ضربة سياسية قوية للرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، إذ إن خسارة مجلسي الكونغرس تعكس تراجعاً في الثقة الشعبية بأداء الإدارة خلال العامين الأولين من ولايتها.
وتشير التغطيات إلى أن إرتفاع الأسعار، وتكاليف المعيشة، والحرب مع إيران، والمخاوف من الفساد الحكومي، كانت من أبرز العوامل التي أثرت في توجهات الناخبين.
كما إن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس ستمنحهم قدرة أكبر على: تعطيل أو تعديل التشريعات التي تتبناها الإدارة الجمهورية. – فتح تحقيقات رقابية في أداء الإدارة. – ممارسة ضغط سياسي على البيت الأبيض. – إعادة طرح ملفات الإنفاق العام والضرائب والصحة والهجرة.
لكن هذه السيطرة لا تعني أن الديمقراطيين أصبحوا قادرين على تنفيذ برنامجهم كاملاً، إذ لا يزال الرئيس يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة وحق النقض الرئاسي. ومن المتوقع أن تشكل هذه الإنتخابات نقطة إنطلاق فعلية للتحضير للإنتخابات الرئاسية المقبلة في 2028. فالديمقراطيون سيحاولون تحويل الفوز التشريعي إلى مشروع سياسي متكامل، فيما سيواجه الجمهوريون تحدياً في إعادة بناء خطابهم الإنتخابي وإستعادة ثقة الناخبين.
ويُعد الواقع الإقتصادي أحد أهم العوامل التي ساهمت في التحول الانتخابي. فارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء والخدمات، إلى جانب القلق من التضخم، عزز الشعور لدى قطاعات من الناخبين بأن التحسن الإقتصادي المعلن لا ينعكس بصورة كافية على حياتهم اليومية.
وهذا يعني أن الناخب الأمريكي لم يعد يكتفي بتقييم المؤشرات الإقتصادية العامة، بل بات يركز بصورة أكبر على قدرته الشرائية الفعلية.
وهنا يمكن التوقع باتجاهين متعارضين: إتجاه إيجابي، فيه إحتمال تعزيز الرقابة على السياسات الإقتصادية، وإعادة تقييم بعض القرارات المتعلقة بالإنفاق والتجارة… وإتجاه سلبي، فيه إرتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التشريعات المقبلة، خصوصاً الضرائب والطاقة والإنفاق الفيدرالي.
وقد يؤدي الصراع التشريعي بين البيت الأبيض والكونغرس إلى تأخير بعض القرارات الإقتصادية الكبرى، وهو ما قد يؤثر في ثقة المستثمرين. ومن المرجح أن تصبح السياسات المتعلقة بالتعرفة الجمركية والتجارة الدولية محوراً أساسياً للنقاش السياسي.
وقد يدفع الفوز الديمقراطي باتجاه مراجعة بعض التدابير التجارية، لكن لا ينبغي إفتراض حصول تغيير سريع أو جذري، لأن السياسة التجارية الأمريكية لا تزال مرتبطة بمصالح استراتيجية وإقتصادية واسعة.
إن خسارة الجمهوريين للكونغرس لا تعني بالضرورة تحولاً فورياً في السياسة الخارجية الأمريكية، لكنها قد تحد من حرية الرئيس في بعض الملفات. فالكونغرس يمتلك صلاحيات مهمة في التمويل، والمصادقة على الإتفاقيات، والرقابة على الإدارة، ما يجعله شريكاً أساسياً في صياغة السياسة الخارجية.
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ضوء التوترات الإقليمية والحرب مع إيران. وقد تبرز داخل الكونغرس مطالبات أكثر تشدداً في الرقابة على العمليات العسكرية، وعلى حجم الإنفاق المرتبط بها، وعلى التداعيات الإقتصادية للحرب.
كما قد يزداد النقاش حول: أمن الخليج – العلاقات الأمريكية الإسرائيلية – مستقبل الاتفاقات والتفاهمات مع إيران – دور الولايات المتحدة في تسوية النزاعات الإقليمية.
ومع ذلك، فإن أي تحول فعلي سيظل مرتبطاً بقرارات الإدارة الرئاسية وتوازنات المصالح الأمريكية.
وقد تفتح نتائج الانتخابات المجال أمام مراجعة بعض السياسات المتعلقة بالعلاقات مع الحلفاء الأوروبيين، وبالملفات التجارية والاستراتيجية مع الصين. لكن التنافس الأمريكي الصيني سيبقى من الملفات التي تتجاوز الانتماءات الحزبية، نظراً إلى إرتباطه بالأمن القومي والتكنولوجيا والإقتصاد العالمي.
أما من وجهة نظر لبنانية وعربية، يمكن قراءة هذه الإنتخابات بإعتبارها مؤشراً إلى أن السياسة الأمريكية قد تدخل مرحلة من التوازن الداخلي الأكثر تعقيداً.
ففي حال اتسعت الخلافات بين البيت الأبيض والكونغرس، قد تتراجع قدرة الإدارة على إتخاذ قرارات خارجية كبيرة بسرعة، أو قد تصبح تلك القرارات أكثر خضوعاً للرقابة السياسية.
وهذا قد ينعكس على ملفات: الدعم الأمريكي للبنان ومؤسساته – العلاقات الأمريكية مع دول الخليج – مسار التسويات الإقليمية – العقوبات والسياسات الإقتصادية تجاه دول المنطقة – التوازنات المتعلقة بإسرائيل وإيران.
لكن لا يجوز إعتبار فوز الديمقراطيين ضمانة لتغيير السياسة الأمريكية تجاه لبنان، فالمصالح الإستراتيجية الأمريكية قد تبقى ثابتة، حتى مع تغير موازين القوى داخل الكونغرس.
باختصار، يمكن إعتبار إنتخابات 3 تشرين الثاني 2026 محطة سياسية مفصلية في الولايات المتحدة الأمريكية.
فهي لم تكن مجرد إنتخابات لتجديد أعضاء الكونغرس، بل تحولت إلى إستفتاء سياسي على أداء إدارة الرئيس ترامب، وعلى قدرتها في إدارة الإقتصاد والعلاقات الخارجية.
إن إستعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب ستفرض واقعاً سياسياً جديداً، عنوانه تراجع هامش الحركة التشريعية للرئيس، وإرتفاع مستوى الرقابة والمواجهة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
اقتصادياً، ستكون معركة المرحلة المقبلة مرتبطة بالتضخم وتكاليف المعيشة والسياسات التجارية والإنفاق العام.
أما خارجياً، فمن المرجح أن تستمر السياسة الأمريكية في مساراتها الإستراتيجية الكبرى، مع إحتمال إرتفاع مستوى النقاش والرقابة على القرارات المتعلقة بالشرق الأوسط وإيران والصين وأوروبا.
والرسالة الأبرز لهذه الإنتخابات هي أن الناخب الأمريكي، عندما يشعر بأن الأوضاع الإقتصادية والسياسية لا تلبي تطلعاته، يستطيع أن يعيد رسم موازين السلطة، حتى في ظل وجود رئيس يتمتع بنفوذ سياسي واسع.
