(كتب المحامي جبرايل جعجع)
لم يكن ما جرى في الانتخابات النصفية الأمريكية هزيمة للرئيس دونالد ترامب، ولم يكن انتصارا للديمقراطيين، رغم ما توحي به الأرقام للوهلة الأولى …، فمن يقرأ المشهد بعين الصحافة العميقة، لا بعين الأرقام السطحية، يدرك أن ما حدث كان أكبر خدمة سياسية قدمت لترامب وللجمهوريين، وأنه فتح الطريق على مصراعيه أمام الصقر الجمهوري، وزير الخارجية ماركو روبيو، ليكون رأس الحربة في انتخابات ٢٠٢٨ …
إنها لحظة انقلاب سياسي كاملة، ولكن ليس بالمعنى الذي روجت له وسائل الإعلام الليبرالية …
أولاً : من المساءلة المطلقة إلى توزيع اللوم
قبل الإنتخابات النصفية، كان ترامب يمتلك القوة المطلقة …، البيت الأبيض بيده، والأكثرية في الكونغرس بيده …، وهذا، في المنطق السياسي الأمريكي، يضعه أمام المساءلة الكبرى وأمام التحدي الأكبر …
كان المواطن الأمريكي يحاسبه وحده على كل شيء …، على ارتفاع الأسعار، وعلى كلفة المعيشة، وعلى وتيرة الإصلاح، وعلى كل ملف داخلي وخارجي …، فعندما تكون السلطة كلها في يد حزب واحد، يصبح ذلك الحزب هو المسؤول الوحيد أمام الناخب …
اليوم انقلبت الآية تماما …، فالديمقراطيون وصلوا إلى السلطة التشريعية، وأصيبوا بما يمكن تسميته انتفاخ القوة …، ولكن هذه القوة هي في حقيقتها عبء، لأنهم أصبحوا اليوم شركاء في المسؤولية، وشركاء في الفشل إن وقع، وشركاء في التعطيل إن حدث …
لقد انتقلت النقمة الشعبية من إدارة واحدة إلى مؤسستين …، وهذا بحد ذاته انتصار استراتيجي لترامب …
ثانياً : الديمقراطيون أمام خيارين مرين
بات الديمقراطيون اليوم أمام خيارين، وكلاهما يخدم ترامب، وكلاهما يخدم المشروع الجمهوري …
الخيار الأول : المعارضة والتعطيل
إذا اختار الديمقراطيون معارضة ترامب، فإنهم سيعارضون سياسات تحظى بإجماع واسع لدى الشعب الأمريكي، وهي سياسات جوهر المشروع الجمهوري :
الحد من الهجرة غير الشرعية، وجعل أمريكا عظيمة مجددا، وشعار أمريكا أولا، والتخفيضات الضريبية، والتحفيزات الاستثمارية، واستعادة الهيبة والريادة الصناعية …
بل إنهم سيضطرون إلى معارضة ملفات سيادية تحظى بتأييد شعبي كاسح، وفي مقدمتها حسم الملف الإيراني، وإنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وربما إسقاط النظام الإيراني، وإنهاء نفوذ أذرعه في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله …
إذا فعلوا ذلك، سيظهرون أمام الشعب الأمريكي كمعرقلين …، سيظهرون كمن يمنع أمريكا من أن تكون قوية، وآمنة، ومزدهرة …، وستنقلب النقمة عليهم، لأنهم وصلوا إلى السلطة ولم يفعلوا شيئا سوى العرقلة …
الخيار الثاني : التماهي والمسايرة
أما إذا اختار الديمقراطيون التماهي مع ترامب ومسايرته في حكمه، فسيخسرون اللحظة السياسية برمتها …، سيظهرون كتابعين لإرادته، وكمنفذين لأجندته، وسيخسرون هويتهم السياسية وقاعدتهم الانتخابية …
سيسألهم الناخب الديمقراطي نفسه : إذا كنتم موافقين على سياسات ترامب، فلماذا انتخبناكم أصلا ؟!؟!…
في الحالتين، ترامب رابح …، إما أن يظهر الديمقراطيون كمعرقلين، أو أن يظهروا كتابعين. وفي الحالتين، يبقى ترامب هو صاحب القرار، وصاحب المشروع، وصاحب الرؤية …
ثالثاً : الرئيس يملك أدوات الحسم
إن من لا يفهم النظام الأمريكي يظن أن خسارة الكونغرس تعني نهاية الرئيس …، والحقيقة الدستورية عكس ذلك تماما …
أمريكا نظام رئاسي، لا نظام برلماني …، الرئيس لا يسقط بسحب ثقة، ولا ينتخب من الكونغرس، بل ينتخب انتخابا مباشرا من الشعب الأمريكي في خمسين ولاية …، وهو يملك شرعية تفوق شرعية أي نائب انتخب في دائرة صغيرة …
ويملك الرئيس ثلاث أدوات حاسمة :
١. حق الفيتو : أي قانون يمرره الديمقراطيون يمكن للرئيس أن يرفضه بقلم واحد …، ولكسر الفيتو يحتاج الديمقراطيون إلى ثلثي الكونغرس، وهو أمر مستحيل حسابيا …، أي أن أي قانون يساري متطرف لن يمر …
٢. الصلاحيات التنفيذية : الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو من يرسم السياسة الخارجية، ويعين القضاة الفيدراليين وقضاة المحكمة العليا، ويصدر الأوامر التنفيذية، ويحمي الحدود، ويتفاوض باسم أمريكا مع العالم كله …
٣. القدرة على الحسم : ترامب أمامه سنتان كاملتان، وسيكون فيهما أكثر حزما من أي وقت مضى …، فقد تحرر من عبء إرضاء الجميع، وأصبح بإمكانه أن يظهر كرجل الدولة الذي يعمل رغم العراقيل …
رابعا : نظرية روبيو : لا تفاوض ولا تراخي
هنا يبرز دور الصقر ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، وأحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية في إدارة ترامب …
تقوم نظرية روبيو على قاعدة حاسمة : إن التفاوض المطول، والتراخي، وكسب الوقت مع إيران، هو ما أضاع اللحظة التاريخية …، فالشعب الأمريكي لم يحاسب الإدارة لأنه ضد الحسم مع إيران، بل لأنه كان يريد الحسم بسرعة أكبر وبقوة أكبر …
روبيو، الذي عرف طوال مسيرته في مجلس الشيوخ بمواقفه الصلبة ضد النظام الإيراني وضد حزب الله وضد الأنظمة الشمولية، يرى أن الملف الإيراني يجب أن يغلق نهائيا : إنهاء البرنامج النووي بالكامل، وتفكيك منظومة الصواريخ، وإسقاط النظام الذي يرعى الإرهاب في المنطقة …
وهذا ما أوحى به وصرح به في أكثر من مناسبة، وهو ما سيطبقه ترامب في السنتين المقبلتين، بعيدا عن سياسة الانتظار التي اتبعتها الإدارات الديمقراطية السابقة …
خامسا : ٢٠٢٨ بدأت الآن
ما حدث بالأمس لم يمهد فقط لنجاح ترامب في إنهاء ملفاته، بل مهد الطريق أمام الجمهوريين في انتخابات ٢٠٢٨، سواء كانت الانتخابات الرئاسية أو انتخابات الكونغرس …
فالديمقراطيون، إن عطلوا، سيخسرون ثقة الشارع …، وإن سايروا، سيخسرون هويتهم. وفي كلتا الحالتين، سيصل الجمهوريون إلى ٢٠٢٨، وهم يحملون سجل إنجاز، بينما يحمل الديمقراطيون سجل تعطيل أو تبعية …
وسيكون ماركو روبيو في قلب هذا المشهد …، الشاب الصلب، الصقر الذي لا يساوم، صاحب الخبرة التشريعية والتنفيذية، وصاحب النظرية الواضحة في السياسة الخارجية، سيكون رأس الحربة الطبيعي للمشروع الجمهوري المقبل …
إنها معادلة التاريخ الأمريكي : عندما يريد الشعب الموازنة، يعطي الكونغرس للمعارضة، ولكنه يعطي الرئاسة لمن يملك المشروع …، وقد حدث ذلك مرارا، مع ريغان، ومع كلينتون، ومع أوباما، ومع ترامب نفسه في ولايته الأولى …
وأخيراً وليس آخراً، ترامب لم يخسر … بل ربح المعركة الكبرى
لقد ربح ترامب المعركة الكبرى دون أن يطلق رصاصة واحدة ..، فقد نقل العبء إلى خصومه، واحتفظ لنفسه بأدوات الحكم، وبشرعية الرئيس، وبقوة الفيتو، وبسلطة القائد الأعلى …
والسنتان المقبلتان لن تكونا سنتين من الجمود، بل سنتين من الحسم …، حسم ملف الحدود، وحسم ملف الاقتصاد، وحسم ملف إيران، وحسم ملف حزب الله، وحسم ملف الهيبة الأمريكية في العالم …
ما حدث بالأمس هو أكبر خدمة لمشروع ترامب، ولصقور إدارته، ولصقور الجمهوريين، وعلى رأسهم ماركو روبيو في انتخابات ٢٠٢٨ …
الديمقراطيون ظنوا أنهم انتصروا، وهم في الحقيقة وقعوا في الفخ الأكبر …
#شؤون_استراتيجيّة
