شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خاص – موقع “القرار”

لم يعد ملف التهريب في لبنان مجرد قضية مخدرات تضبطها الأجهزة الأمنية بين الحين والآخر، ولا مجرد شحنات يجري اعتراضها عند المعابر والمطارات، فالمسألة باتت تتصل مباشرة بمن يملك القدرة على تحريك الشبكات وإدارة خطوط النقل وتأمين الحماية لها، والأهم بمن يستطيع تعطيل يد الدولة عندما تقترب التحقيقات من الجهات النافذة. وفي بلد لا تزال فيه شبكات حزب الله ومسارات نقل المتفجرات تطرح أسئلة سيادية وقضائية بالغة الخطورة، تصبح كل عملية ضبط امتحاناً جديداً لجدية المؤسسات في فرض سلطتها.

مصادر سياسية واسعة الاطلاع تحدثت إلى موقع “القرار”، توقفت عند العملية الأمنية التي نفذتها الجمارك بالتنسيق مع الأمن العام في مطار رفيق الحريري الدولي، وأفضت إلى ضبط 46.7 كيلوغراماً من الكوكايين بحوزة مسافر سوري قادم من أكرا في غانا، معتبرة أن خطورة القضية لا تكمن في حجم الشحنة وحده، بل في المسار الذي سلكته قبل وصولها إلى بيروت، وفي الشبكة التي تولت تأمين انتقالها، والجهة التي كانت تنتظر استلامها داخل لبنان.

وبحسب المعلومات الرسمية، فإن المسافر دخل لبنان عبر معبر المصنع قبل أسابيع، ثم غادر باتجاه أكرا وعاد على متن رحلة طيران الشرق الأوسط MEA 576، حاملاً أربعين عبوة من الكوكايين بلغ وزنها الإجمالي 46.7 كيلوغراماً. والأكثر إثارة للريبة العثور على أجهزة تعقب إلكترونية من نوع AirTags داخل الطرود، وهو تفصيل يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الجهة التي كانت تراقب الشحنة، وكيفية إدارة عملية نقلها، ومن كان يتولى متابعة وصولها إلى وجهتها النهائية.

وتشدد المصادر على أن توقيف حامل الحقائب لا يمثل سوى بداية التحقيق، وأن الاكتفاء به سيعني ترك الرؤوس المدبرة خارج دائرة المحاسبة. فالمطلوب تحديد الجهة التي مولت العملية، ومن أمّن انتقال الشحنة عبر الحدود، ومن تولى تجهيزها وإرسالها، وصولاً إلى كشف هوية المستلم داخل لبنان. فهذه الكمية لم تصل إلى المطار بمحض الصدفة، ولم تعبر آلاف الكيلومترات من دون تخطيط وتنسيق وشبكة تعرف جيداً كيف تدير عملياتها.

لكن الأهم أن هذه القضية تأتي في توقيت لا يمكن فصله عن التطورات القضائية في ملف متفجرات ضهر البيدر، حيث كشفت التحقيقات عن شحنة تقارب 780 كيلوغراماً من المواد المتفجرة، انتهى مسارها إلى ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم على 13 شخصاً من حزب الله، وإحالة الملف إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان.

وهنا تضع المصادر الدولة أمام اختبار لا يحتمل الانتقائية: هل تستطيع الأجهزة والقضاء ملاحقة شبكات التهريب حتى نهاياتها، أم أن سقف التحقيق يتغير عندما تصبح الأسماء المتورطة مرتبطة بتنظيم يمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً يتجاوز سلطة المؤسسات؟ فالدولة التي نجحت في ضبط شحنة كوكايين داخل المطار مطالبة بالجرأة نفسها في متابعة شحنة المتفجرات التي ارتبط بها أشخاص من حزب الله، والوصول إلى جميع الحلقات التي تولت نقلها وتجهيزها وتحديد وجهتها.

وتحذر المصادر من أن ملف ضهر البيدر لا يجوز أن يتحول إلى قضية ثانوية مع بروز عملية ضبط المخدرات، ولا أن يُستثمر الإنجاز الأمني في المطار لصرف الأنظار عن الأسئلة الأكثر حساسية المتعلقة بمتفجرات حزب الله. فالقضيتان منفصلتان من حيث الوقائع والأشخاص والمواد المضبوطة، لكنهما تلتقيان عند حقيقة واحدة: هل توجد في لبنان شبكات تتعامل مع الحدود والمرافق العامة باعتبارها امتداداً لنفوذها، وتتصرف فيها خارج سلطة الدولة؟

وتضيف المصادر أن حزب الله بات أمام مواجهة قضائية لا يمكن تجاوزها بعد الادعاء على 13 شخصاً من المنتمين إليه في قضية ضهر البيدر، وبالتالي فإن أي محاولة لتخفيف وقع هذا التطور أو نقل النقاش إلى قضية أمنية أخرى لن تبدل شيئاً في مسار الملف. فالمسؤولية القانونية قائمة، والتحقيق مطالب بالوصول إلى الغاية من نقل هذه الكمية من المتفجرات، والجهات التي جهزتها، والمسار الذي سلكته، والوجهة التي كانت تنتظر وصولها إليها.

وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع قضية الكوكايين باعتبارها إنجازاً مكتملاً قبل تفكيك الشبكة التي تقف خلفها. فلبنان ليس بحاجة إلى بيانات ضبط جديدة بقدر حاجته إلى نتائج قضائية وأمنية تصل إلى الممولين والمنظمين والمستفيدين، وتكشف الجهات التي توفر الغطاء والحماية، سواء كانت تعمل في تجارة المخدرات أو في نقل الأسلحة والمتفجرات. وأي استثناء في هذا المسار سيعني عملياً أن القانون لا يطال الجميع بالقدر نفسه.

وتعتبر المصادر أن المسؤولية تقع على الحكومة والأجهزة الأمنية والقضائية مجتمعة، لأن ملف التهريب لم يعد تفصيلاً أمنياً يمكن معالجته بعمليات متفرقة، وإنما قضية سيادة تتصل مباشرة بقدرة الدولة على ضبط حدودها ومرافقها ومنع أي تنظيم أو شبكة من إنشاء خطوط خاصة بها فوق الأراضي اللبنانية.

فالاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد الكيلوغرامات التي تصادرها الجمارك، ولا في عدد الموقوفين الذين تعلن الأجهزة عن توقيفهم، وإنما في الوصول إلى العقول التي تدير هذه العمليات، وكشف مصادر التمويل وشبكات الحماية، وقطع خطوط التهريب من جذورها. والأهم أن تثبت الدولة قدرتها على مواجهة حزب الله عندما تصل التحقيقات إلى سلاحه وشبكاته ومسارات نقل المتفجرات، بالقدر نفسه الذي تواجه فيه أي شبكة أخرى. فإما أن يكون القانون صاحب الكلمة الأخيرة في لبنان، وإما أن تبقى المرافق العامة والحدود رهينة شبكات تتصرف فيها وكأنها صاحبة القرار.

 

شاركها.