شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم: د. عبدالرزاق القرحاني

استكمالاً لما ورد في القسم الأول من هذه المقالة، وكي لا تكون محاكاتنا لهذا الموضوع يختصر على النقد والإطالة،، سنطرح بعض الأفكار للمناقشة والمداولة.

إذا كانت التوقعات تشير إلى إمكانية إستمرار التوسع التكنولوجي بوتيرة هائلة، فلا يجوز أن ننتظر حتى تتضح كل النتائج كي نبدأ الإستعداد.
فالتأخر في بناء المهارات والبنية التحتية والسياسات قد تكون كلفته أكبر من كلفة التحرك المبكر.

ومن هنا، يمكن إقتراح رؤية جديدة لمواكبة التحديات التي تواجهنا في مسارنا العلمي والمهني.

إن أي تخطيط مهني جديد، يحتاج إلى خمس نقلات أساسية:

*أولاً: من الشهادة إلى التعلم المستمر:*
بحيث يصبح التدريب والتحديث المعرفي جزءاً من الحياة المهنية، لا مرحلة تنتهي بالتخرج.

*ثانياً: من الإختصاص المغلق إلى المهارات المتكاملة:*
وتكمن في الجمع بين المعرفة التخصصية، والقدرة الرقمية، والتحليل النقدي، والتواصل، وحل المشكلات.

*ثالثاً: من حفظ المعلومات إلى إنتاج القيمة:*
فالمعلومة متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن القدرة على التحقق منها وربطها بالواقع وإتخاذ القرار تظل أساسية.

*رابعاً: من إنتظار الوظيفة إلى بناء فرص العمل:*
بتشجيع المشاريع الصغيرة والإبتكار وريادة الأعمال، والإستفادة من الذكاء الاصطناعي لتطوير الخدمات والمنتجات، لا الإكتفاء بالبحث عن وظيفة تقليدية.

*خامساً: من المناهج الثابتة إلى التعليم المرن:*
بمراجعة البرامج الجامعية والمهنية بصورة دورية، وبناء شراكات بين الجامعات والمدارس والمؤسسات الإقتصادية والتكنولوجية.
ولا بد هنا من التمييز بين معرفة إستخدام أداة الذكاء الاصطناعي وبين إمتلاك القدرة على التفكير المستقل. فالأداة قد تساعدنا على إنجاز العمل بسرعة، لكنها لا تعفينا من مسؤولية التحقق من النتائج، ولا من فهم السياق، ولا من تحمل تبعات القرار.

ومن المعلوم بالضرورة، أن أي رؤية لا تواكبها أهداف وبرامج عملية تبقى وجهة نظر مقيّدة بشعارات وهمية..
وبناء عليه، نقترح بعض الأهداف والبرامج العملية يمكن العمل عليها والإهتمام بها، على عدة مستوات:

* *على مستوى الدولة:*
يجب وضع إستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي ترتبط بالتعليم والإدارة العامة والإقتصاد، مع الإستثمار في البنية التحتية الرقمية وحماية البيانات.

* *على مستوى الجامعات:*
إنشاء مرصد لمستقبل المهن والمهارات، ومراجعة الاختصاصات بالتعاون مع أصحاب العمل والخبراء، وإتاحة مسارات قصيرة لإعادة التأهيل.

* *على مستوى المدارس:*
إدخال الثقافة الرقمية والتفكير الحاسوبي والتعامل النقدي مع الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على دور المعلم في التربية وبناء الشخصية.

* *على مستوى المؤسسات:*
تدريب الموظفين على إستخدام الأدوات الجديدة، وإعادة تصميم العمليات بدلاً من الإكتفاء بشراء البرمجيات.

* *على مستوى الأفراد:* تخصيص وقت منتظم للتعلم، وتجربة الأدوات الحديثة، وبناء ملف عملي يثبت القدرة على الإنجاز، لا الإكتفاء بالشهادات والسير الذاتية.

ويمكننا بهذا الطرح، البدء بخطة وطنية تمتد من الآن حتى عام 2030، تُحدَّد فيها المهن الأكثر تعرضاً للتحول، والمهارات المطلوبة في كل قطاع، والبرامج التدريبية اللازمة، ومؤشرات سنوية تقيس التقدم. فالمطلوب ليس التنبؤ بكل وظيفة ستظهر أو تختفي، بل بناء مجتمع يستطيع التكيف مع التغيير عندما يحدث.

إن أخطر ما في هذه الثورة التكنولوجية الحالية، ليس أن الآلة أصبحت أسرع من الإنسان في بعض المهام، بل أن العالم بدأ يتغير بوتيرة تتجاوز قدرة كثير من مؤسساتنا على الفهم والتخطيط والإستجابة.

لقد كانت الأجيال السابقة تستطيع، في حالات كثيرة، أن تبني مساراً مهنياً يمتد عقوداً اعتماداً على شهادة وخبرة متراكمة. أما الأجيال الجديدة، فقد تحتاج إلى إعادة رسم مسارها أكثر من مرة، وإلى الإنتقال بين مهارات ومجالات لم تكن جزءاً من خطتها الأولى.
وهذا لا يعني أن الإنسان فقد مكانته، بل أن مكانته تتطلب إعادة تعريف.
فالقيمة المستقبلية لن تقوم على منافسة الآلة في سرعة الحساب أو كمية المعلومات، وإنما على القدرة على توجيهها، وفهم حدودها، وتوظيفها في خدمة الإنسان والمجتمع، مع الحفاظ على الإبداع والمسؤولية والقيم والأخلاق.

نحن أمام سباق بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة تطور وعينا ومؤسساتنا. وإذا كانت الآلات تتعلم وتتطور بهذه الوتيرة، فهل تستطيع مدارسنا وجامعاتنا وإداراتنا أن تتعلم بالسرعة نفسها؟
والخطر الحقيقي ليس أن تتغير المهن، بل أن نبقى نُعِدّ أبناءنا لعالم لم يعد موجوداً، فيما العالم الجديد يُبنى من حولنا كل يوم.
فالذكاء الاصطناعي لن ينتظرنا حتى ننتهي من تحديث مناهجنا، ولن يؤجل تحوله حتى نصلح إداراتنا، ولن يمنحنا مهلة إضافية لأننا لم نستعد.
إما أن نكون شركاء في صناعة المستقبل، أو أن نكتفي بالتكيف مع مستقبل يصنعه الآخرون.

شاركها.