بقلم : الشيخ الدكتور احمد كمون
خاصl – القرار
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان الا على الظالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، فانّ الأحداث الأخيرة لا سيما هجمات الحوثيين، أراح الله المسلمين من شرهم ودفع اذاهم، يستوجب علينا كتابة هذه السطور نصيحة، فإن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وفي الوقت نفسه، فهذه الكلمات هي بمثابة التحذير من التعرض لأرض الحرمين لما لها من منزلة خاصة في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. فالهجمات التي حصلت والتهديد وترويع الآمنين والمدنيين والمعتمرين أمر نكير وخطب جلل ومصيبة كبرى تضرب الدين والعقيدة وتبين زيف وضلال من هدّد ونفذ وأراد شرا ببلاد التوحيد وقبلة المسلمين ولذا كان لا بد لنا من وقفات مهمة حول ذلك .
الوقفة الأولى: مكانة الحرمين ومنزلتهما في الإسلام
يحتلّ المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة منزلة عظيمة في الإسلام، لما خصّهما الله تعالى به من الفضائل والأحكام والمناقب. وقد ارتبط المسجد الحرام بالتوحيد والقبلة والحج، وارتبط المسجد النبوي بهجرة النبي ﷺ وقيام الدولة الإسلامية ونشر الرسالة. ويُطلق على مكة والمدينة معًا الحَرَمان الشريفان؛ لما ثبت من حرمتهما وخصوصيتهما في الكتاب والسنة.
أولًا: مكانة المسجد الحرام
المسجد الحرام هو أعظم المساجد مكانة، وفيه الكعبة المشرفة، أول بيت وُضع للناس لعبادة الله تعالى. قال الله سبحانه:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 96-97].
وتدل الآيتان على جملة من خصائصه: كونه بيتًا مباركًا، ومحلًّا للهداية، وارتباطه بمقام إبراهيم، ووجوب الحج إليه على المستطيع.
كما ثبت في صحيح مسلم أن أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي ﷺ عن أول مسجد وُضع في الأرض، فقال: «المسجد الحرام»، ثم المسجد الأقصى، وكان بين وضعهما أربعون سنة.
ومن أعظم خصائص المسجد الحرام أنه قبلة المسلمين؛ قال تعالى:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].
ومن خصائص مكة كذلك أنها حرم آمن، فقد قال النبي ﷺ: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس»، ونهى عن سفك الدم فيها والاعتداء على شجرها وصيدها، مما يدل على عظيم حرمتها. رواه مسلم (1354).
ثانيًا: مكانة المسجد النبوي
المسجد النبوي هو المسجد الذي بناه رسول الله ﷺ في المدينة بعد الهجرة، وأصبح مركزًا للعبادة والتعليم والقضاء وإدارة شؤون المسلمين في العهد النبوي.
وقد خصّه النبي ﷺ بفضائل عظيمة، فقال:
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام»، رواه مسلم (1394، 1395).
وهذا الحديث يبين علو منزلة المسجد النبوي، وأن الصلاة فيه ذات فضل مضاعف بالنسبة إلى سائر المساجد، مع استثناء المسجد الحرام.
كما أن المدينة نفسها حرم، فقد قال النبي ﷺ:
“المدينة حرم ما بين عير إلى ثور“، رواه البخاري ومسلم.
ومن ثم فحرمة المدينة ليست مقتصرة على المسجد النبوي وحده، بل ثبت لها نطاق حرم شرعي له أحكامه.
ثالثًا: العلاقة بين المسجدين
يجتمع المسجد الحرام والمسجد النبوي في كونهما من أعظم بيوت الله وأشرفها، لكن لكل واحد منهما خصائصه.
فالمسجد الحرام هو قبلة المسلمين ومحل الحج والطواف حول الكعبة، وقد ارتبط في القرآن بدعوة إبراهيم عليه السلام وبناء البيت الحرام. أما المسجد النبوي فقد ارتبط بسيرة النبي ﷺ وهجرته، وكان موضع عبادته وتعليمه وقيادته للأمة.
ويؤكد الحديث الصحيح مكانة المساجد الثلاثة، فقد قال النبي ﷺ:
“لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى“، وهو ثابت في الصحيحين بمعناه.
ويظهر كذلك ارتباط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى في حادثة الإسراء؛ قال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1].
وهذا يبرز مكانة المساجد الثلاثة في الوعي الإسلامي، مع بقاء الحرمين في مكة والمدينة من أبرز شعائر الإسلام ومقاصد المسلمين.
رابعًا: الدلالات الإيمانية لمكانة الحرمين
لا تقتصر مكانة الحرمين على الجانب التاريخي أو الجغرافي، بل تحمل دلالات إيمانية وتربوية مهمة، من أبرزها:
تعظيم شعائر الله: فالحرمين من أعظم شعائر الإسلام، وتعظيمهما من تعظيم ما عظّمه الله.
وحدة المسلمين: يتجه المسلمون في صلاتهم إلى قبلة واحدة، ويجتمعون في الحج والعمرة حول بيت واحد، فيظهر بذلك معنى وحدة الأمة.
الأمن والحرمة: جعل الله لمكة حرمة خاصة، وجعل للمدينة كذلك حرمة، مما يرسخ مبدأ صيانة الدماء والأموال والأعراض واحترام المقدسات.
الارتباط بالتوحيد: ارتبط البيت الحرام بدعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: 26].
الاقتداء بالنبي ﷺ: فالمدينة والمسجد النبوي مرتبطان بسيرة الرسول ﷺ وأعماله وتعليمه وتربيته لأصحابه.
خاتمة
يتبين مما سبق أن الحرمين الشريفين يحتلان مكانة رفيعة في الإسلام، وأن هذه المكانة ثابتة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. فالمسجد الحرام هو قبلة المسلمين وموضع البيت العتيق ومقصد الحج، وقد جعله الله حرمًا آمنًا. والمسجد النبوي هو مسجد رسول الله ﷺ، وقد خصّه الله بفضل عظيم، وجعل الصلاة فيه أفضل من الصلاة في سائر المساجد بعد المسجد الحرام.
ومن ثم فإن تعظيم الحرمين لا يكون بمجرد إظهار المحبة لهما، وإنما يتحقق كذلك باحترام حرمتهما، والمحافظة على أمنهما، وتعظيم شعائر الله فيهما، والالتزام بآداب الزيارة والعبادة، واستحضار المعاني الإيمانية التي يمثلانها في حياة المسلمين.

الوقفة الثانية : لقد ارفقنا المقالة ببطاقة حول الأحداث التاريخية التي أدت الى تخريب او تهديد المسجد الحرام من ابرهة الاشرم عام الفيل الى تاريخ اليوم، فتبيّن أنّ ما ارتبته إيران وميليشياتها ضدّ الحرم المكي المبارك، يوازي، وربما يفوق، كلّ الاعتداءات التي تعرّض لها في التاريخ.
وقد اثار بعض المبغضيين ان المسجد الحرام قد تعرض لهكذا امور من أهل السنة عبر التاريخ ايضا فلماذا الإنكار على الحوثيين والجواب من عدة وجوه :
اولا : إنّ الاقتداء بالسلوك يكون بالاحسن والحسن وليس بالباطل من اي جهة اتت .
ثانيا : الاعتداء على الحرمين مستنكر ومحرّم من اي شخص او جماعة او حزب سواء كانوا سنة ام غيرهم
ثالثا : لا تقاس أحداث عين ونوادر واحداث تاريخية لها ما لها وعليها ما عليها لنجعل الاستثناء قاعدة .
رابعا : هل يقول عاقل أنه يحق لي ان اقتدي بمحرم او باطل او لي سلف في فعل محرم ليكون حجة او دليل .
خامسا : ما عذر هؤلاء المجرمين يوم القيامة ومن قدوتهم امام الله؟ عندما يكون خصمهم مليار ونيف من المسلمين .
سادسا : هل من المنطق ان يقال يا رب نقصف بيتك المحرم وقدوتنا في ذلك كذا وكذا وحدث في التاريخ كذا وكذا …
سابعا واخيرا اتقوا الله وارجعوا الى الحق واعلنوا توبتكم من هذا الإثم العظيم فإن الله قائل ومن يرد فيه بالحاد بظلم ناقه من عذاب أليم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين .
اللهم هل بلغت فاشهد
