أمين فتوى طرابلس الشيخ بلال بارودي
إن الممارسات التي نشهدها عقب انتهاء مباريات كأس العالم، من مسيرات صاخبة بالسيارات والدراجات النارية، وإطلاق الأبواق بطرق عشوائية، وتفجير المفرقعات في ساعات متأخرة من الليل، هي تصرفات تخرج عن إطار الفرح المشروع لتصبح اعتداءً صريحاً على سَكينة المجتمع، وإقلاقاً لراحة المرضى، والأطفال، وكبار السن، والعمال الذين ينتظرون الليل ليرتاحوا.
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية
لقد وضع الإسلام قواعد صارمة لحماية المجتمع من الأذى بجميع أشكاله، وجعل احترام “حق الطريق” وراحة الناس جزءاً من الإيمان.
النهي عن رفع الصوت وإزعاج الآخرين:
يقول الله تعالى في محكم كتابه مرشداً إلى أدب الحديث والسلوك في الفضاء العام:
“وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ” [سورة لقمان: الآية 19]
تحريم أذية المؤمنين:
توعد القرآن الكريم الذين يتسببون بالأذى للناس دون وجه حق، حيث قال تعالى:
“وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا” [سورة الأحزاب: الآية 58]
الهدي النبوي في احترام السكينة:
أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم الحق هو من يَسلم الناس من إزعاجه وأذاه، فقال: “المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ” (رواه البخاري).
مراعاة النيام في الليل:
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة أوقات الراحة، فعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال في وصف دخول النبي إلى البيت ليلاً:
“فَكانَ يَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لا يُوقِظُ نَائِمًا، ويُسْمِعُ اليَقْظَانَ” (رواه مسلم). فإذا كان هذا في السلام والتحية، فكيف بأصوات الأبواق والمفرقعات؟!
كف الأذى وحق الطريق:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ”، وعندما سأله الصحابة عن الحقوق قال: “غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ” (متفق عليه).
ثانياً: المستند القانوني (وفقاً للقانون اللبناني)
إلى جانب الوازع الديني والأخلاقي، فإن القانون اللبناني يعاقب بشكل صريح على إقلاق الراحة العامة والضوضاء الليلية:
المادة 751 من قانون العقوبات اللبناني:
تنص على معاقبة كل من أحدث ضوضاء أو لغطاً أو ضجيجاً عاصفاً بلا ضرورة، أو بطريقة تخالف العادات، أو تسببت في إقلاق راحة السكان، بالغرامة المادية والتحذير، ويمكن أن تتضاعف العقوبة في حال التكرار.
قانون السير اللبناني (رقم 243):
يمنع القانون استعمال أبواق السيارات (الزمامير) بطريقة غير مبررة أو داخل الأحياء السكنية وخاصة في فترات الليل، ويعتبر استعمالها لغير إنذار الخطر الفوري مخالفة تستوجب الغرامة المالية وحجز المركبة في بعض الحالات (خاصة الدراجات النارية غير القانونية أو التي تُحدث أصواتاً مزعجة كـ”المفرقعات” من العوادم).
قرارات وزارة الداخلية والبلديات بشأن المفرقعات:
هناك قرارات صريحة تمنع بيع وإطلاق المفرقعات النارية بدون ترخيص مسبق، وتعتبر إطلاقها في الأحياء السكنية ليلاً جرماً مشهوداً يستدعي تدخل القوى الأمنية لقمع المخالفة ومصادرة المواد المستعملة وتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين.
خاتمة:
إن التعبير عن الفرح بالرياضة ظاهرة جميلة، لكنه ينتهي تماماً عندما يبدأ أذى الآخرين.
إن احترام نوم الأطفال، وسكينة كبار السن، وراحة المرضى، هو الواجب الشرعي والقانوني والأخلاقي الذي يجب أن يلتزم به الجميع.
