شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عباد الله، أيها الأحباب المؤمنون:

لقد دخلنا في عام هجري جديد، هذا العام الذي ارتأى فيه المسلمون الأوائل أن يرتبط تاريخهم بحدث الهجرة النبوية المباركة؛ لأنهم علموا أنه لولا الهجرة ما كان فتحٌ، ولأنهم أيقنوا أن الهجرة هي أعظم حدث بعد النبوة والإسراء والمعراج، ولأنهم أرادوا لهذه الأمة -التي كانت ولا زالت أمة أُخرجت للناس- أن يكون تاريخ أيامها مرتبطًا بحدث عظيم غيّر وجه العالم كله، وأثبت الريادة والقيادة لها على سائر الأمم.

مفهوم الهجرة وحقيقة التضحية

لذلك كانت الهجرة، وكانت ترجمة حقيقية للإيمان؛ فما الهجرة أيها الأحباب الكرام؟ الهجرة هي أن تهاجر، أن تهجر، أن تترك. ولكن إلى أين؟ وما الذي حملك على الهجرة؟ وما الذي أقنعك أن تترك ما أنت فيه من مال وعشيرة ووطن؟ وتترك كل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل الدين! ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ يقول الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}.

فلا قيمة للأرض كلها، ناهيك عن الوطن والبلدة والقرية، إن لم يستطع الإنسان فيها أن يعبد الله، وإن لم يستطع أن يقيم شعائر دينه وأحكام الإسلام.

هجرة الحبشة:

ولذلك، عندما ضاقت الأمور بالمسلمين في مكة المكرمة، أذن النبي ﷺ للصحابة بالهجرة الأولى إلى الحبشة، فخرجت مجموعتان من المهاجرين ومكثوا فيها أكثر من عشر سنين، يعيشون في أرض لا يعرفونها، وفي عادات لا يألفونها، وفي تقاليد ما خبروها، وعند حاكم على غير دينهم. ما الذي حملهم على أن يتركوا مكة -وهي أشرف البقاع- ويخرجوا إلى أرض الحبشة التي كان حاكمها نصرانيًا؟ من أجل ماذا؟ من أجل إقامة الدين في أنفسهم وحمايته.

والدليل على أن الهجرة هي الثبات والتضحية والفداء؛ أنه عندما خرج جعفر بن أبي طالب -ابن عم النبي ﷺ- مع الصحابة الكرام إلى أرض الحبشة، تبعهم المشركون من كفار قريش يريدون من النجاشي أن يسلمهم إياهم، ووصفوهم بالمارقين الخارجين عن العرف.

وكاد النجاشي أن يقتنع بإعادتهم إلى بلادهم بعد أن أغروه بالهدايا؛ وهكذا هو ديدن كل المفسدين في الأرض؛ إن تركت أرض الفساد مهاجرًا إلى الله تبعوك إلى حيث أنت، يؤلبون عليك، ويحيكون ضدك المؤامرات، ويفسدون عليك عيشتك وأمنك.

فعندما طلب النجاشي أن يسمع من المسلمين، قام جعفر بن أبي طالب متكلمًا ومخاطبًا الملك بكلمات سطرها التاريخ، فقال له:
“أيها الملك، إنا كنا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى فينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع ما دونه من أصنام وأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وصلة الرحم، وحسن الجوار، ونهانا عن قذف المحصنات، وأكل مال اليتيم… فعدا علينا قومنا، وأرادوا أن يفتنونا عن ديننا، فخرجنا إلى بلادك ورجونا ألا نُظلم عندك”.

لقد أمرهم النبي ﷺ بالخروج قائلًا: “اخرجوا إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد”.

إذن، هذا العنوان الذي تكلم به جعفر بن أبي طالب هو مفردات الإسلام. إذا أردت أن تعرف المجتمع هل هو مجتمع جاهلي أو مجتمع محافظ ملتزم، انظر إلى ما يجري فيه من سلوكيات وأخلاق.

والله جل جلاله نهى عن الظلم وأمر بالقسط، فعندما بُعث فينا النبي ﷺ كانت القيم كلها في هذا الدين: عبادة الله وحده لا شريك له، وإقامة المجتمع الآمن الذي فيه صلة الأرحام، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، واجتناب الفواحش والظلم.

ولكن هناك طائفة من الناس لا يرضون أن يحيا الناس في طهارة وعفاف وقيم، كما قال قوم لوط: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}.

فهناك من لا يحب أن يرى الطهارة في مجتمعه، بل يحب أن يرى التفلت والانحلال. فلذا كانت الهجرة ثباتًا على الدين، وموقفًا معلنًا أن ديني أغلى من وطني ومالي وأهلي:
فحيثما ذُكر اسم الله في بلدٍ … عددتُ أرجاءه من لبِّ أوطاني
شريعة الله لمت شملنا وبنت … لنا معالم إحسانٍ وإيماني
والنبي ﷺ عندما اطمأن على أغلب صحابته الكرام، هاجر وصاحبه الصديق وكانوا من أواخر من خرج من مكة إلى المدينة. وهذا الخروج لم يكن هروبًا، بل كان خروج نصر وفتح؛ فبمجرد وصوله ﷺ إلى المدينة أقام المسجد، وآخى بين الأنصار والمهاجرين، وبنى سوقًا للمسلمين، ووضع ميثاق المدينة المنورة لتنظيم العلاقة بين جميع المكونات.

لقد بدأت الدولة، وتحقق وعد الله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
إن الذي يرى النبي ﷺ وهو خارج من مكة ملتجئًا إلى غار ثور، والكفار يطلبونه حياً أو ميتاً مقابل مائة ناقة، هل كان يظن أن اسمه سيظل يتردد في مآذن العالم إلى قيام الساعة: “أشهد أن محمداً رسول الله”؟ إذن الهجرة هي بداية الفتح: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}.

الهجرة هي الدين، وكما قال ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».

الخطبة الثانية: فقه عاشوراء وواقع الوطن

بعد أيام تأتينا ذكرى عاشوراء، ويكفي أن نذكركم بفضيلة صيام هذا اليوم ويوماً قبله أو يوماً بعده لمخالفة اليهود. فالنبي ﷺ عندما قدم المدينة ووجدهم يصومونه لأن الله نجى فيه موسى من فرعون، قال: “نحن أحق بموسى منكم” فصامه وأمر بصيامه.

الفكرة الأساسية هي شكر الله تعالى على نصره لعباده وإهلاكه للطغاة والظالمين. فلذلك ذكرى عاشوراء ذكرى هامة في تثبيت النصر وإحياء الكرامة، وليست ذكرى للطّم أو اللعن والشتم والسباب، إنها ذكرى يلتف بها الناس حول دين الله متذكرين نعمة النصر والتمكين.

واقع الوطن ومأساة الجنوب

هذا ما نحتاج أن نحييه اليوم وأمتنا تتعرض لبلاءات كبيرة من الداخل والخارج.
يتحدثون عن وقف إطلاق النار؛ فمن منكم يملك ذرة من عقل يقتنع بأن هناك وقفاً حقيقياً لإطلاق النار والعدو الصهيوني إلى الآن يجول ويفسد ويقصف، والمفاوضات متعثرة، والمناوشات قائمة؟ نحن لا نثق إلا بالله تعالى.

نحن كدولة نريد وقف إطلاق النار، ولكننا نريد أولاً وقف الاعتداءات على الجنوب، ووقف مسبباتها. ليعلم الجميع أن الجنوب قطعة غالية من لبنان، وليس مقاطعة تابعة لإيران! لسنا مضطرين أن يُقدم شعبنا قرابين من أجل أن تقوّي إيران أوراقها التفاوضية مع الأمريكيين.

نحن أدرى بشعبنا وبلدنا، ولسنا مستعدين لتقديم آلاف الضحايا الأبرياء من أجل مصالح إقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

القرار في لبنان يجب أن يكون قراراً وطنياً خالصاً لوقف العدوان. أما أن يبقى في لبنان جرح ينزف مع ادعاءات الانتصار الهشة، فهذا أمر لا يستقيم؛
إن أرادوا وقفاً حقيقياً لإطلاق النار، فعلينا أولاً أن نوقف مسببات هذه الحرب وأن نحمي سيادة بلدنا ودماء أهلنا.

شاركها.