شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم: رولا سوبره مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل.

بينما يستعد تلاميذ العالم للعودة إلى مدارسهم بنوع من البهجة، يعيش الآباء والأمهات في لبنان كابوساً سنوياً متجدداً مع دقات جرس أيلول/سبتمبر. فعبارة العودة إلى المدرسة لم تعد تعني مجرد شراء دفاتر ومستلزمات جديدة، بل تحولت إلى مواجهة مباشرة مع فواتير فلكية جائرة تفرضها كارتيلات المدارس الخاصة، وسط انهيار معيشي ساحق جعل التعليم في مستشفى وجامعة الشرق الأوسط سابقاً، ترفاً لا تملكه إلا النخبة.
جنون الروضات: طفل يكلّف ثروة قبل أن يقرأ!
المفارقة الأكثر صدمة في لوائح الأقساط المسربة والمعلنة عبر الصفحات المدرسية الرسمية وفي أروقة لجان الأهل، تكمن في مرحلة الروضات (Kindergarten). إذ لم يعد غريباً أن يتراوح قسط الطفل في هذه المرحلة، الذي لم يتعلم بعد فك الحروف، ما بين 3000 و6000 دولار فريش.
هذه الأرقام الخيالية تُفرض تحت مسميات صناديق دعم أو رسوم تشغيلية إلزامية. وتأتي هذه المبالغ منفصلة تماماً عن تكاليف القرطاسية، الكتب، الزي المدرسي المفروض بالدولار أيضاً، ناهيك عن تسعيرة النقل (الباص) التي باتت توازي قسطاً إضافياً كاملاً جراء أزمة المحروقات وغلاء المعيشة.
تصاعد جنوني: الأقساط تقفز مع تقدم الصفوف المدرسية
إذا كان قسط طفل الروضة يثير صدمة الأهالي، فإن استعراض اللوائح المالية المنشورة لـ الحلقات التعليمية الأعلى يكشف عن أرقام أشد وطأة وعشوائية. فكلما تقدم الطالب صفاً، ارتفعت الفاتورة بآلاف الدولارات تحت ذريعة “تنوع المواد وتكلفة المختبرات وزيادة ساعات التدريس”، لتتوزع الأقساط جغرافياً وطبقياً على النحو التالي:
– المدارس الخاصة التقليدية والتجارية (المتوسطة): تبدأ أقساط المرحلة الابتدائية (الحلقتين الأولى والثانية) من 3500 إلى 4500 دولار فريش. وعند الانتقال إلى المرحلة المتوسطة (Brevet)، يرتفع المبلغ ليتراوح بين 4500 و5500 دولار. أما الطامة الكبرى فتظهر في المرحلة الثانوية (البكالوريا) حيث تلامس الأقساط سقف الـ 6500 إلى 8000 دولار فريش كحد أدنى للمقعد الواحد، دون احتساب أي مصاريف جانبية.
– المدارس الدولية و”البرامج الأجنبية” (Premium): في جولة على الصفحات الرسمية للمدارس العريقة والإرساليات (مثل مناهج الـ IB الأميركية والفرنسية والبريطانية)، تكاد الأرقام تخرج عن المنطق المعيشي؛ إذ تبدأ أسعار التعليم الابتدائي من 8500 دولار لتتصاعد تدريجياً وتتجاوز عتبة الـ 15,000 إلى 22,000 دولار فريش سنويًا لطلاب الشهادات الثانوية العليا.
– خدعة الـ “ليرة لبناني” والـ “تأمين”: تعمد بعض المدارس لذر الرماد في العيون عبر الإعلان عن جزء من القسط بالليرة اللبنانية (يتراوح بين 75 و105 ملايين ليرة)، لكنها تلزم الأهالي بدفع “رسوم دعم وصيانة وتطوير” إجبارية بالدولار النقدي الفريش تبدأ من 3000 دولار وتصل إلى 4000 دولار كاش للمرحلة الثانوية، مما يجعل الالتزام بالعملة الوطنية مجرد حبر على ورق.
سحق الطبقة الوسطى: الرواتب بالليرة والأقساط بالـ “فريش”
في المقابل، يقف المواطن اللبناني عاجزاً أمام هذه الدولرة الشرسة للتعليم. فرغم أن الاقتصاد بات مدولراً بشكل شبه كامل، إلا أن الرواتب – لا سيما في القطاع العام ولدى شريحة واسعة من موظفي القطاع الخاص – ما زالت متدنية وتتراوح بين 300 و500 دولار شهرياً في أحسن الأحوال.
كيف لعائلة تتقاضى هذا الدخل أن تسدد قسطاً مدرسياً لطفل واحد يفوق طاقتها السنوية؟ لقد وضعت المدارس الخاصة الأهالي أمام خيارات لئيمة: إما الغرق في الديون وبيع ما تبقى من ممتلكات ومدخرات، أو حرمان أبنائهم من جودة التعليم والبحث عن بدائل.
المدارس الرسمية: تخبط فوق الأنقاض والنزوح
في الظروف الطبيعية، يكون التعليم الرسمي (الحكومي) هو الملجأ الآمن للأسر العاجزة عن دفع أقساط القطاع الخاص. لكن هذا الملجأ في لبنان يعيش أسوأ فصول تخبطه وهشاشته. المدارس الرسمية والثانويات تكافح لالتقاط أنفاسها؛ فالأزمات المتراكمة من إضرابات المعلمين المتكررة بسبب تدني أجورهم، ونقص التمويل التشغيلي للمازوت والكهرباء والتدفئة، جعلت العام الدراسي الرسمي مهدداً باستمرار.
وما زاد الطين بلة هذا العام، هو الوضع الأمني والعسكري الضاغط والمستمر في البلاد، حيث تحول جزء كبير من المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء للنازحين، وتضررت عشرات المدارس الأخرى بشكل مباشر. هذا الواقع يضع وزارة التربية والتعليم العالي أمام معضلة لوجستية وتربوية معقدة، حيث باتت عاجزة عن استيعاب مئات آلاف الطلاب أو تقديم بيئة تعليمية مستقرة ومنتظمة.
نحو التعليم الطبقي: صرخة قبل الانفجار
إن ما يشهده قطاع التعليم في لبنان اليوم ليس مجرد أزمة أقساط، بل هو جريمة موصوفة تقود البلاد نحو التعليم الطبقي بامتياز. المدارس الخاصة ترفع الأسعار بعشوائية ودون حسيب أو رقيب قانوني جدي، متذرعةً بحقوق الأساتذة وصيانة مبانيها، بينما يدفع الأهل والتلاميذ ثمن غياب الدولة التام عن الرقابة وضبط الجشع.
إذا استمر هذا الانفلات الجائر في الأقساط وتخبط المدارس الرسمية، فإن لبنان لا يواجه خطراً اقتصادياً فحسب، بل يواجه خطر خسارة ثروته الوحيدة: عقول أبنائه، ليدخل قطاع التربية رسمياً في نفق العتمة التي ضربت كل قطاعات الدولة.

شاركها.