بقلم: الأستاذة جويل خالد طبّو
مديرة مشاريع حكومية وباحثة متخصصة

لا تسمحوا بدخول ألعاب تهدد براءة أطفالنا
أكتب هذا النداء اليوم ليس بحثًا عن إثارة أو جدل، بل انطلاقًا من إحساس عميق بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية. وبصفتي مديرة مشاريع حكومية وباحثة، أؤمن أن دوري لا يقتصر على إدارة الملفات والمشاريع، بل يمتد إلى رصد القضايا التي تمس المجتمع، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بأكثر فئة تحتاج إلى الحماية: أطفالنا.
لقد أصبحنا نشاهد انتشار ألعاب تحمل أفكارًا ومفاهيم لا تتناسب مع عالم الطفولة البريء، ومن بينها لعبة My Mini Baby، التي تقدم مفهوم الحمل والأمومة ضمن صورة منفصلة عن السياق الأسري الطبيعي، مع غياب واضح لأي تمثيل لدور الأب، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول الرسائل التي تُغرس في وعي الأطفال من خلال هذه المنتجات…
و Baby Balloon Surprise، التي بدأت بالانتشار عبر منصات التواصل الاجتماعي وأصبحت ظاهرة متداولة عالميًا. ورغم عدم انتشارها في الأسواق اللبنانية حتى الآن، إلا أن دخولها إلى لبنان يبقى احتمالًا قائمًا، وهنا يجب أن يكون موقف الدولة استباقيًا، لا أن يأتي التدخل بعد أن تصبح هذه المنتجات في أيدي الأطفال.

إن بعض هذه الألعاب تطرح مفهوم الحمل والولادة بطريقة أراها بعيدة عن المعايير التربوية المناسبة لعمر الطفل، بل وتقدم هذه المواضيع ضمن قالب ترفيهي وتجاري قد يختزل قضايا حساسة ومعقدة لا يفترض تقديمها للأطفال بهذه الطريقة. فهناك فرق كبير بين توعية الطفل بأسلوب علمي وتربوي عندما يكون مستعدًا لذلك، وبين تحويل مواضيع مرتبطة بجسد الإنسان والأسرة إلى لعبة تجارية بلا إطار تربوي واضح.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض هذه الألعاب، مثل لعبة يظهر فيها طفل موضوعًا داخل كيس أو غلاف كجزء من المفاجأة، تقدم صورة رمزية أراها مقلقة من الناحية النفسية والاجتماعية، لأنها قد تخلق تصورات مشوهة لدى الطفل حول مفاهيم أساسية مرتبطة بالحياة والولادة والأسرة.
إن حماية الطفولة ليست وجهة نظر شخصية أو قضية يمكن التعامل معها باستخفاف. الطفل ليس مستهلكًا عاديًا، والألعاب التي تدخل إلى عالمه يجب أن تخضع لمسؤولية أكبر من مجرد النجاح التجاري أو الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي.
من هنا، أوجه نداءً واضحًا إلى الجمارك اللبنانية والجهات الحكومية المختصة:
لا تسمحوا بدخول أي لعبة موجهة للأطفال تحمل محتوى حساسًا أو مفاهيم غير مدروسة قبل إخضاعها لتقييم حقيقي من اختصاصيين في التربية وعلم نفس الطفل، والتأكد من توافقها مع القيم الاجتماعية والثقافية ومعايير السلامة النفسية للأطفال.
المطلوب ليس منعًا عشوائيًا، ولا قمعًا للإبداع أو الاختلاف، بل هو تطبيق لمبدأ الوقاية والمسؤولية. فالدول التي تحترم مستقبلها لا تنتظر ظهور الأضرار حتى تتحرك، بل تضع معايير تحمي أجيالها قبل وقوع المشكلة.
رسالتي اليوم واضحة:
أطفال لبنان ليسوا مساحة لتجارب تجارية عابرة، وبراءتهم ليست سلعة تُباع لتحقيق الأرباح.
ما نسمح بدخوله إلى بيوتنا اليوم، قد يترك أثرًا في وعي أطفالنا غدًا. لذلك فإن حماية الطفولة مسؤولية وطنية مشتركة بين الدولة، المؤسسات، والأهل.
أدعو إلى فتح هذا الملف بجدية، وإلى اعتماد تقييم علمي وتربوي صارم لكل منتج موجه للأطفال، لأن الوقاية ليست مبالغة… بل هي شكل من أشكال حماية المستقبل.
