بقلم: رولا سوبره
باحثة دكتوراه في ادارة الاعمال، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل
في الأنظمة التي تحترم منطق دولة القانون، لا تُقاس قوة الإدارة بقدرتها على إصدار القرارات، بل بمدى انسجام هذه القرارات مع المبادئ القانونية التي تحكم عملها، وفي مقدمتها المشروعية، المساواة، العدالة، وحماية الحقوق المكتسبة للأفراد.
ومن هذا المنطلق، يطرح الملف التربوي الراهن إشكالية تتجاوز حدود النجاح والرسوب، لتصل إلى جوهر العلاقة بين الإدارة والطالب، وبين القرار الإداري ومبدأ العدالة.
فوزارة التربية والتعليم العالي أعلنت انتهاء العام الدراسي، وأصدرت نتائج النجاح والرسوب لطلاب الصفوف الانتقالية، ثم عادت بموجب القرار رقم 958/م/2026 لتعلن أن برنامج دعم واستكمال التعلم ليس مدرسة صيفية، بل هو امتداد للعام الدراسي 2025-2026، وأن الهدف منه استكمال المناهج التي تعذر إنجازها نتيجة الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.
وهنا تبرز الإشكالية القانونية الأساسية:
كيف يمكن اعتبار العام الدراسي منتهيًا لجهة إصدار نتائج نهائية، ومستمرًا في الوقت نفسه لجهة استكمال المناهج التعليمية؟
إن هذا التناقض الظاهر لا يتعلق فقط بالجانب الإداري، بل يمس سلامة القرار من حيث السبب والغاية. فالقرار الإداري، وفق المبادئ العامة للقانون الإداري، يجب أن يقوم على أسباب صحيحة ومشروعة، وأن تكون بين هذه الأسباب والنتيجة التي يرتبها القرار علاقة منطقية واضحة.
فعندما تقر الإدارة رسميًا بأن جزءًا من العملية التعليمية لم يكتمل بسبب ظروف قاهرة واستثنائية، فإن تحميل الطالب وحده نتائج هذا النقص يطرح تساؤلات جدية حول مدى توافق القرار مع مبدأ العدالة.
فالطالب لا يملك سلطة تعطيل العام الدراسي، ولا يتحمل مسؤولية الظروف الأمنية أو الاجتماعية التي حالت دون انتظام العملية التعليمية. وبالتالي، فإن أي تقييم لنتيجته يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي فرضته تلك الظروف، لا أن يتحول الطالب إلى الطرف الوحيد الذي يدفع ثمنها.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على طلاب المدارس النظامية، بل تمتد أيضًا إلى طلاب الطلبات الحرة الذين يشكلون جزءًا لا يتجزأ من الجسم الطلابي الوطني.
فطالب الطلب الحر ليس خارج النظام التربوي، ولا يجوز أن تكون طبيعة تسجيله سببًا في اختلاف جوهري في مستوى الحماية القانونية أو في فرص الاستفادة من التدابير الاستثنائية التي تعتمدها الدولة لمعالجة آثار الأزمات.
إن مبدأ المساواة أمام المرفق العام يفرض على الإدارة اعتماد معايير موضوعية وموحدة تجاه جميع المستفيدين من الخدمة العامة، ما لم يوجد سبب قانوني واضح يبرر أي تمييز.
ومن هنا، فإن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه:
إذا كانت الظروف الاستثنائية قد شكلت مبررًا لإعادة النظر في الامتحانات الرسمية حفاظًا على مبدأ تكافؤ الفرص، فلماذا لا تُراعى الظروف نفسها عند تقييم طلاب الصفوف الانتقالية وطلاب الطلبات الحرة؟
إن العدالة التربوية لا تعني منح النجاح دون استحقاق، كما أنها لا تعني تجاهل المعايير الأكاديمية، لكنها تعني أن تكون عملية التقييم عادلة، وأن تُتاح للطالب فرصة حقيقية لإثبات تحصيله ضمن ظروف متقاربة.
فالمسؤولية التربوية لا تكمن فقط في إصدار النتائج، بل في ضمان أن تكون هذه النتائج ثمرة مسار تعليمي سليم ومتكامل.
إن إعادة النظر في نتائج الطلاب، عند وجود اعتراف رسمي بأن العام الدراسي لم يكتمل بصورة طبيعية، ليست خروجًا عن القانون، بل هي تطبيق لمبدأ تصحيح القرار الإداري عندما تتغير المعطيات أو تظهر تناقضات تؤثر في عدالته.
فإما أن يكون العام الدراسي قد انتهى فعليًا، وعندها يصبح الحديث عن استكمال المنهج بعد إعلان النتائج أمرًا يفتقر إلى الانسجام.
وإما أن يكون برنامج دعم واستكمال التعلم جزءًا من العام الدراسي، وعندها يصبح من الطبيعي والقانوني مراجعة أثره على نتائج الطلاب قبل تثبيتها نهائيًا.
إن حماية التربية لا تكون بإلقاء أعباء الأزمات على الطلاب، بل ببناء إدارة تربوية قادرة على اتخاذ قرارات متناسقة، واضحة، وعادلة.
فالطالب، سواء كان نظاميًا أو من الطلبات الحرة، ليس مجرد رقم في لوائح النجاح والرسوب، بل هو صاحب حق تربوي وقانوني.
وفي دولة القانون، لا تُختبر الإدارة بقدرتها على محاسبة الطالب فقط، بل بقدرتها أولًا على ضمان أن تكون قراراتها منسجمة مع القانون، ومع مبادئ العدالة، ومع الثقة التي يجب أن تبقى قائمة بين المواطن والمؤسسة العامة.
