بقلم: رولا سوبره
باحثة دكتوراه في ادارة الاعمال، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل
يمرّ لبنان في السنوات الأخيرة بأزمات وجودية متلاحقة، طالت اقتصاده وأمنه واستقراره الاجتماعي. إلا أن أخطر ما يواجهه الوطن اليوم هو تلك الحرب الصامتة التي تُشنّ على جيل شبابه ومراهقيه عبر الهواتف الذكية. لقد تحوّل “القمار الرقمي” والمراهنات الإلكترونية غير الشرعية من مجرد تطبيقات للتسلية إلى آفة وطنية تنهش عقول الأطفال، وتفكك الروابط الأسرية، وتهدد الأمن المجتمعي في عقر دارنا.
إن تحول طفل مراهق إلى ممارسة العنف الجسدي واللفظي ضد والديه، من أجل تحصيل ستة أو سبعة دولارات لـ”تشريج” حسابه في لعبة مراهنات، ليس مجرد حادثة عابرة؛ بل هو جرس إنذار أحمر يعلن دمار منظومة القيم وسقوط الجيل الجديد في فخ الإدمان السلوكي والمالي. لمواجهة هذا الانتحار الجماعي الممنهج، لا بد من رسم خطة مواجهة ثلاثية الأبعاد، تتكامل فيها أدوار الدولة، والأهل، والمجتمع بأسره.
أولاً: الدولة والأجهزة الأمنية.. الحزم المفقود والواجب الوطني
تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية القانونية والتنفيذية الأولى في تجفيف منابع هذه الآفة. لا يمكن القبول بوقوف مؤسسات الدولة موقف المتفرج أمام منصات وتطبيقات قمار غير شرعية تغزو الهواتف دون رقيب.
● وزارة الاتصالات وهيئة “أوجيرو”: إن الخطوة الأولى والبديهية تبدأ بالتحرك التقني الفوري لحجب كافة مواقع وتطبيقات المراهنات والقمار الرقمي غير المرخصة عن شبكة الإنترنت اللبنانية، وملاحقة العناوين الرقمية البديلة (Proxy) التي تستخدمها هذه الشركات لخرق الحظر.
● الأجهزة الأمنية ومكافحة الجرائم المعلوماتية: إن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب ملاحقة شبكات “الوكلاء المحليين” (Agents) الذين يروّجون لهذه الألعاب في الأحياء والمناطق، ويقومون بتسهيل فتح الحسابات للأطفال وقبض الأموال منهم نقداً بالدولار. هؤلاء هم تجار مخدرات من نوع آخر، يجب سوقهم إلى القضاء بتهمة تدمير القاصرين واستغلالهم.
● القضاء ومراقبة التحويلات: على القضاء اللبناني تفعيل القوانين الصارمة وضبط قنوات الدفع والمحافظ الرقمية عبر شركات تحويل الأموال، لضمان عدم استخدامها في تمويل المراهنات غير القانونية.
ثانياً: الأهل.. خط الدفاع الأول والرقابة الواعية
إذا كانت الدولة تمثل سيف القانون، فإن الأسرة هي درع الحماية الأول. لا يمكن للأهل إعفاء أنفسهم من المسؤولية تحت ذرائع الضغوط الاقتصادية والمعيشية.
● الرقابة الرقمية الواعية: لم يعد مسموحاً ترك الهواتف الذكية بين أيدي الأطفال والمراهقين بلا حسيب أو رقيب. على الأهالي تفعيل تطبيقات الرقابة الأبوية (Parental Control) لمراقبة المحتوى وتحديد التطبيقات المسموح بتحميلها.
● مراقبة السلوك والمصروف: إن أي تغير في سلوك الطفل، نحو العزلة، أو العدوانية، أو طلب المال المتكرر وبإلحاح (حتى لو كانت مبالغ صغيرة كالـ 7 دولارات)، يجب أن يُجابه بالوقوف على أسبابه فوراً قبل أن يتحول الأمر إلى إدمان يستعصي علاجه ويتطور إلى عنف أسري وسرقة.
● الحوار وبناء الثقة: يحتاج الأبناء إلى بيئة أسرية دافئة وحوار مستمر يشرح لهم زيف “الربح السريع الوهمي” وخطورة الوقوع في فخ العصابات الرقمية.
ثالثاً: المجتمع ومؤسساته.. التوعية وصناعة البديل
المجتمع المدني والأهلي والروحي في لبنان شريك أساسي في هذه المعركة، فالمشكلة أعمق من مجرد تطبيق على هاتف؛ إنها أزمة فراغ وغياب للمساحات الآمنة.
● المؤسسات التعليمية والتربوية: على المدارس والجامعات إدخال حصص توعوية إجبارية بالتعاون مع أخصائيين نفسيين واجتماعيين لتسليط الضوء على مخاطر الإدمان الرقمي والقمار، وتعرية الخسائر الاقتصادية والنفسية للمراهنات.
● الأندية الرياضية والكشفية: يعاني الشباب اللبناني من فراغ قاتل نتيجة غياب الأنشطة المدعومة. يجب على البلديات والجمعيات الأهلية إعادة إحياء الملاعب الرياضية، والأنشطة الكشفية والثقافية، لتأمين بدائل صحية تستوعب طاقات الشباب وتفرغ إحباطاتهم بعيداً عن الشاشات المظلمة.
● الإعلام ودور العبادة: يقع على عاتق وسائل الإعلام اللبنانية والمنصات الإخبارية، إلى جانب رجال الدين في المساجد والكنائس، إطلاق حملات وطنية مستمرة تتناول هذه القضية برصانة وعمق، وتسهم في رفع الوعي الجماعي.
إن الـ 7 دولارات التي يدفعها الطفل اليوم كـ”تسلية” في قمار رقمي، هي الفتيل الذي سيحرق مستقبله ومستقبل عائلته غداً. إننا أمام جريمة منظمة تُرتكب بحق الطفولة والشباب في لبنان، والسكوت عنها هو تواطؤ غير معلن. إن إنقاذ هذا الجيل هو واجب ديني، وأخلاقي، ووطني يتطلب استنفاراً شاملاً وتكاملاً حقيقياً بين الدولة والأهل والمجتمع. لقد دقت ساعة العمل، فالخسارة هذه المرة لن تكون مالية فحسب، بل ستكون خسارة وطن بأكمله في عقله النابض وجيله القادم.
