بقلم الدكتورة رولا سوبره
باحثة دكتوراه في ادارة الاعمال، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل
لم يعد سرّاً على أحد أن العيش في العاصمة بيروت بات أشبه بمسيرة يومية فوق حقل من الألغام المعيشية والاقتصادية. فاللبناني الذي ظن يوماً أنه اجتاز المرحلة الأصعب من الأزمة المالية، يجد نفسه اليوم، وتحديداً في هذا الصيف الملتهب، مواجهاً بجبهات ضغط جديدة تستنزف ما تبقى من قدرته على الصمود والتحمل. إن المشهد الحالي يتجاوز مجرد غياب الخدمات الأساسية؛ إنه يتعلق بالاستنزاف الممنهج للاستقرار النفسي والمادي للعائلات، وسط غياب تام للرؤية الحوكمية الشاملة من قبل مؤسسات الدولة.
عندما نتحدث عن الواقع المعيشي اليوم، لا يمكننا فصل الأزمات عن بعضها البعض. فالمواطن البيروتي يدفع اليوم فاتورة مضاعفة للاستمرار؛ يبدأ نهاره بالبحث عن قطرة ماء تؤمن الحد الأدنى من النظافة الشخصية والاستخدام المنزلي، في ظل انقطاع رسمي شبه كامل لشبكات مياه الدولة واضطرار الأهالي لشراء المياه من الصهاريج بأسعار خيالية تُحسب بالدولار الفريش. ولا ينتهي النهار إلا بمعركة التغذية الكهربائية، حيث باتت الفاتورة الصحية والمالية للمولدات الخاصة تشكل العبء الأكبر الذي يلتهم أكثر من نصف دخل الأسرة المتوسطة، ليبقى المواطن أسيراً لتقنين عشوائي يهدد سلامة غذائه وأمنه وصحته الجسدية والنفسية.
لكن، إذا كان اللبناني قد اعتاد بأسف شديد على تدبر أموره الخدمية من كهراباء وماء عبر “الأمن الذاتي المالي”، فإن الطامة الكبرى تكمن عندما يمتد هذا الفساد الإداري والتخبط العشوائي ليصيب القطاع الأكثر قدسية في المجتمع، وهو قطاع التربية والتعليم. فالاستثمار في علم الأولاد كان دائماً السلاح الأخير للعائلات اللبنانية لمواجهة الفقر والجهل، والنافذة الوحيدة لضمان مستقبل أفضل للجيل الصاعد. واليوم، يأتي التخبط الكارثي في القرارات الرسمية لوزارة التربية ليطلق رصاصة الرحمة على الاستقرار التربوي والمالي لآلاف العائلات.
إن القرارات الارتجالية الأخيرة التي صدرت بشحطة قلم، والتي قضت باعتبار آلاف الطلاب بكل المراحل التعليمية والصفوف العادية راسبين لمجرد أن معدلهم في الفصل الأول لم يلامس عتبة الـ 9.5، هي قمة الظلم الإداري والتربوي. كيف يمكن لسلطة تربوية أن تحاسب التلميذ في صفه وتجعل منه كبش فداء لتقصير الدولة؟ أين كانت الوزارة والروابط التعليمية عندما ضاع نصف العام الدراسي في سلسلة إضرابات مستمرة وقاسية للمتعاقدين الذين طالبوا بحقوقهم وبدلات إنتاجيتهم؟ المناهج لم تُشرح بالكامل، والدروس لم تصل للطلاب بشكل صحيح، والبيئة المدرسية كانت غير مهيأة، ثم نأتي في نهاية العام لنحمل الطالب وحده مسؤولية هذا الفشل التراكمي! إن هذا ليس تقييماً تعليمياً، بل هو دفع ممنهج نحو التسرب المدرسي وضياع جيل كامل.
هذا التخبط لم يتوقف عند الصفوف العادية، بل امتد ليشكل مأساة حقيقية في ملف الشهادات الرسمية، وتحديداً “البريفيه”. لقد شهدنا في الأسابيع الماضية عشوائية تثير الذهول؛ طلاب خضعوا للامتحانات المدرسية بناءً على تعاميم رسمية وبهرجة إعلامية، وآخرون تركوا معلقين في الهواء بانتظار مصير مجهول. والأنكى من ذلك هو الوضع المأساوي لطلاب الاغتراب؛ العائلات اللبنانية التي سافرت لتأمين لقمة العيش وتكبدت مصاريف هائلة، تجد نفسها اليوم مطالبة بإعادة أولادها على عجل لإجراء امتحانات غير واضحة المعالم، ما يكبدهم تكاليف تذاكر سفر وإقامة فوق طاقتهم المادية المنهكة أساساً. لمتى سيبقى الطالب اللبناني وعائلته حقل تجارب لقرارات تولد وتتعدل وتلغى في نفس الأسبوع بمزاجية تفتقر لأدنى مقومات الحوكمة والقيادة التربوية؟
ولم يكن التعليم المهني بأفضل حال، إذ يعيش هو الآخر فصلاً من فصول العشوائية. فبعد أن سقطت صفوف الـ TS والـ LT سهواً من القرارات الأولى، عادت الوزارة لتفرض امتحانات مفاجئة، لتقابل بمقاطعة تامة وشاملة من رابطة أساتذة التعليم المهني رفضاً للمراقبة والتصحيح. والنتيجة الدائمة؟ الطالب هو الضحية الوحيدة التي تدفع الثمن من أعصابها ومستقبلها.
إن الحل العادل والمنصف الذي نرتضيه اليوم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واضح ولا يحتمل المماطلة: إما فتح دورات إكمال فورية ومستعجلة تراعي هذه الظروف الاقتصادية والنفسية الاستثنائية التي يمر بها البلد، أو إعطاء إفادات ترفيع عادلة تمنع ضياع سنة كاملة من عمر الطلاب وتخفف الأعباء المالية والضغط النفسي عن كاهل الأهالي.
إن الإدارة الحكيمة تقتضي أن تكون القرارات في خدمة الإنسان والمجتمع، لا أن تتحول إلى سيف مصلت على رقاب الناس. التعليم في لبنان حق أساسي كفله الدستور، وليس ورقة في لعبة التجاذبات السياسية أو وسيلة لتغطية الفشل الإداري. لقد حان الوقت لتتحمل الجهات المعنية مسؤولياتها كاملة، فالاستثمار في الإنسان هو الثروة الوحيدة المتبقية لهذا الوطن، والمساس بمستقبل أولادنا هو خط أحمر لن نسمح بتجاوزه.
