بقلم رولا سوبره
باحثة دكتوراه في ادارة الاعمال (دراسات اسلامية)، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل.
يمر المشهد الاقتصادي اللبناني بمرحلة شديدة الحساسية تتطلب موازنة دقيقة بين حاجة الخزينة العامة لتعزيز إيراداتها، وبين القدرة الاستيعابية للمواطن والقطاعات الإنتاجية التي استُنزفت على مدار السنوات الماضية. وفي هذا السياق، يأتي التوجه لتطبيق المرسوم رقم 3214، القاضي بفرض “رسم استهلاك بيئي” يتراوح بين 1% و3% على 98 فئة من السلع المستوردة والمصنعة محلياً، ليفتح نقاشاً واسعاً وعميقاً حول جدوى هذه التدابير وتوقيتها الزمني.
الأبعاد التضخمية المباشرة
لا يختلف اثنان على أهمية التوجهات البيئية وتمويل إدارة النفايات، إلا أن قراءة واقع السلة الغذائية والاستهلاكية تظهر أن الرسوم الجديدة ستطال مواد حيوية لا تملك الأسر ترف الاستغناء عنها، كالمعلبات والألبان والزيوت ومواد التنظيف الأساسية.
والأخطر من ذلك، هو الأثر التراكمي في حال شمول هذه الرسوم قطاع المحروقات والطاقة، حيث تشير التقديرات إلى زيادة محتملة تصل إلى 40 ألف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين والمازوت والغاز. في اقتصاد يعاني أساساً من تضخم مفرط، فإن أي تحرك في أسعار الوقود يترجم فوراً على شكل ارتفاع تصاعدي في كلفة النقل، وتشغيل المولدات، وكافة السلع المصنعة محلياً، مما يهدد بآثار تضخمية مركبة تضعف القوة الشرائية شبه المنعدمة أصلاً.
التوقيت والعدالة الاجتماعية
المسألة اليوم لا تدور حول معارضة الإصلاح المالي أو الخطط البيئية، بل تتمحور حول “فلسفة التوقيت”. فالرسوم غير المباشرة، بطبيعتها، تفتقر إلى مبدأ التصاعدية الضريبية، حيث يتساوى في تحمل أعبائها أصحاب الدخل المحدود مع الفئات الأكثر قدرة مالية. وإقرار حزم ضريبية متتالية، بعيداً عن خطة نهوض اقتصادي شاملة تضمن تصحيحاً حقيقياً للأجور والخدمات العامة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تنعكس جموداً في حركة الأسواق وتراجعاً في حجم الجباية الإجمالي نتيجة انكماش الاستهلاك.
البدائل الهيكلية المتاحة
تجمع الهيئات الاقتصادية والخبراء على أن تعزيز مالية الدولة لا يمر حتماً عبر نافذة الرسوم الاستهلاكية المباشرة، بل هناك رزمة من البدائل البنيوية التي من شأنها رفد الخزينة بمئات ملايين الدولارات دون المساس بالأمن المعيشي اليومي للبنانيين، وأبرزها:
1. مكافحة التهرب الجمركي والضريبي: ضبط المعابر والمرافئ بفعالية كفيل بسد ثغرات الهدر المالي ورفع كفاءة الجباية الحالية.
2. تسوية ملف الأملاك البحرية والنهرية: جباية الرسوم المستحقة على إشغال الأملاك العامة وفقاً لأسعار السوق العادلة تشكل مورداً سيادياً هائلاً غير مستغل بالكامل.
3. الضرائب التصاعدية على الأرباح الكبرى: تحويل الثقل الضريبي نحو أرباح الشركات الاحتكارية الكبرى والقطاعات المصرفية يضمن توزيع الأعباء بعدالة اجتماعية.
نحو حوار اقتصادي مسؤول
أمام المواعيد الدستورية المرتقبة، بدءاً من مشاورات السراي الحكومي وصولاً إلى الجلسة الحاسمة لمجلس الوزراء، يبدو أن هناك فرصة حقيقية لإعادة صياغة المشهد بأسلوب عقلاني وحضاري. إن الهيئات النقابية والاقتصادية، ومن خلفها الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا تبحث عن تصعيد غير محسوب في الشارع، بل تسعى لتقديم قراءة موضوعية مدعمة بالأرقام لواقع الأسواق.
المطلوب اليوم من أصحاب القرار هو الاستماع لصوت الوجع الحقيقي، وفتح قنوات الحوار الشفاف لتبني البدائل المتاحة، فالاستقرار الاجتماعي هو الركيزة الأساسية لأي استقرار مالي منشود.
