شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم: رولا سوبره

باحثة دكتوراه، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل

في لبنان، ليست المشكلة أن تتبدل المواقف، بل أن تتبدل معها المعايير التي تُبنى عليها هذه المواقف.

في الدول التي تحترم المؤسسات، تُقاس المواقف بمدى اتساقها وثباتها أمام تبدل الظروف، لا بمدى توافقها مع المصالح الآنية. أما عندنا، فكثيراً ما يتحول الخطاب العام إلى مرآة للموقع أو الظرف أو المصلحة، بدل أن يبقى انعكاساً لمبدأ ثابت.

في الأيام الأخيرة، برزت مواقف تعتبر أن مجرد طرح إلغاء الامتحانات الرسمية أو تأجيلها في ظل الظروف الأمنية الحالية هو نوع من الشعبوية أو إثارة البلبلة بين الطلاب، وأن الامتحانات شأن وطني وسيادي يجب الحفاظ عليه. كما اعتُبر أن النقاش في هذا الملف يجب أن يُترك للسلطة السياسية لتقييمه في الوقت المناسب.

من حيث المبدأ، لا خلاف على أهمية الشهادة الرسمية ولا على الدور المحوري للتربية في إعادة بناء الدول بعد الأزمات والحروب. فالتعليم كان وسيبقى أحد أهم أدوات النهوض الوطني. لكن السؤال الحقيقي ليس هنا.

 

السؤال هو: هل اعتمدنا المعيار نفسه في كل المراحل السابقة؟

في عام 2014، شهد لبنان تحركات نقابية واسعة ربطت إجراء الامتحانات الرسمية وتصحيحها بتحقيق مطالب المعلمين المتعلقة بسلسلة الرتب والرواتب. يومها استُخدمت الامتحانات الرسمية كوسيلة ضغط مشروعة بنظر أصحابها، وقيل إن الامتحانات لن تحصل في ظل تجاهل حقوق المعلمين، كما جرت مقاطعة التصحيح لفترات مختلفة. واليوم يُطرح سؤال مشروع: إذا كان النقاش حول الامتحانات مسموحاً عندما تكون القضية مطلباً نقابياً، فلماذا يصبح مرفوضاً عندما تكون القضية مرتبطة بظروف أمنية استثنائية وسلامة الطلاب؟

وقد شهدت تلك المرحلة تعطيل تصحيح الامتحانات وتهديداً بعدم إجرائها في إطار الضغط النقابي المرتبط بسلسلة الرتب والرواتب. إن جوهر الإشكالية لا يكمن في قرار إجراء الامتحانات أو إلغائها بحد ذاته، بل في غياب معيار ثابت يُحتكم إليه عند كل أزمة وطنية. فعندما تتحول المبادئ إلى أدوات تُستخدم وتُعاد صياغتها بحسب الظرف، تفقد الدولة أحد أهم عناصرها: المصداقية.

وإذا كان الطالب لا يجوز أن يكون رهينة لأي مطلب نقابي، فمن باب أولى ألا يكون رهينة أي حساب سياسي أو إعلامي أو إداري.

إن الدول لا تُبنى على المواقف المتبدلة، بل على ثبات المعايير التي تحكم هذه المواقف. فحين يصبح المبدأ قابلًا للتكييف بحسب الموقع أو الظرف، تتحول المؤسسات من إطار ناظم إلى ساحة تناقضات مفتوحة.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من السجالات، بل إلى إعادة ترميم الثقة عبر خطاب عام يقوم على الاتساق، لا على ازدواجية المعايير.

فالمؤسسات لا تُبنى بالاستثناءات، بل بالمعايير الثابتة التي تُطبق على الجميع دون تغيير أو تأويل، وإلا فقدت الدولة معناها قبل أن تفقد أدواتها.

 

شاركها.