شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم الأستاذة جويل_خالد_طبّو الحائزة على ماجستير إدارة مؤسسات تربوية – مديرة مشاريع حكومية. 

 

إلى وزيرة التربية،

 

عندما تعجز السياسات عن مواكبة معاناة الطلاب، وعندما يشعر آلاف الأهالي بأن أصواتهم لم تُسمع، يصبح من حق الرأي العام أن يطرح الأسئلة الصعبة. وإذا كنتِ غير قادرة على اتخاذ القرارات التي يراها المتضررون منصفة وعادلة في هذه المرحلة الاستثنائية، وإذا كان موقعكِ لا يمنحكِ القدرة على إحداث التغيير الذي يحتاجه الطلاب، فإن الاستمرار في المنصب يفقد معناه الحقيقي.

 

المسؤولية ليست لقبًا ولا منصبًا، بل قدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه. والقيادة التربوية تُقاس بحجم الدعم الذي تقدمه للطلاب في أوقات الأزمات، لا بعدد التعاميم والقرارات الإدارية.

 

لذلك، يرى كثيرون أن من لا يملك القدرة على إحداث الفرق، أو لا يستطيع الدفاع عن حقوق الطلاب الذين يواجهون ظروفًا قاسية واستثنائية، عليه أن يراجع موقعه ومسؤوليته، لأن الطلاب يستحقون قيادة تربوية قادرة على الإنصاف واتخاذ القرارات التي تضع مصلحتهم فوق كل اعتبار … استقيلي …

 

في الوقت الذي ما زالت فيه مناطق واسعة من جنوب لبنان تعاني آثار الحرب والنزوح والدمار، يجد آلاف الطلاب أنفسهم أمام استحقاق مصيري يتمثل في الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة. وبينما يُنظر إلى هذه الامتحانات باعتبارها محطة أساسية في المسار الأكاديمي للطلاب، يبرز سؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا: هل يمكن تحقيق العدالة التعليمية في ظل غياب العدالة في الظروف المعيشية والنفسية؟

 

إن الحديث عن الامتحانات الرسمية لا يقتصر على أوراق وأسئلة وقاعات مراقبة، بل يتعداه إلى واقع إنساني معقد يعيشه طلاب الجنوب منذ أشهر طويلة. فهناك طلاب فقدوا منازلهم، فقدوا عائلاتهم وآخرون اضطروا إلى النزوح من قراهم، فيما تعرضت مدارس ومرافق تعليمية لأضرار جسيمة، واضطر كثيرون إلى متابعة دراستهم في ظروف استثنائية لا تشبه بأي شكل من الأشكال البيئة التعليمية الطبيعية التي يحتاجها أي طالب لتحقيق النجاح.

 

ورغم ذلك، يُطلب من هؤلاء الطلاب خوض الامتحانات نفسها، وفي المواعيد نفسها، وبالمعايير نفسها المطبقة على طلاب عاشوا ظروفًا أكثر استقرارًا. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية؛ فالمساواة الشكلية لا تعني بالضرورة تحقيق العدالة.

فالعدالة في التعليم لا تقوم على معاملة الجميع بالطريقة نفسها، وإنما على مراعاة الفروقات والظروف والتحديات التي تواجه كل فئة من الطلاب. وعندما يتساوى الطالب الذي عاش في بيئة مستقرة مع طالب عاش تحت وطأة الخوف والنزوح والضغوط النفسية، فإننا نكون أمام مساواة ظاهرية قد تخفي خلفها ظلمًا تربويًا وإنسانيًا.

 

وتؤكد الدراسات العالمية في مجالات علم النفس التربوي والصحة النفسية أن الحروب والنزاعات المسلحة تترك آثارًا عميقة على القدرات المعرفية للطلاب. فالتعرض المستمر للضغوط والصدمات قد يؤثر على الذاكرة قصيرة المدى، ومستويات التركيز، والقدرة على استرجاع المعلومات، واتخاذ القرارات تحت الضغط. كما ترتفع معدلات القلق والتوتر واضطرابات النوم لدى الطلاب الذين يعيشون في بيئات غير مستقرة، وهي عوامل تنعكس مباشرة على الأداء الأكاديمي.

 

وقد أشارت تقارير صادرة عن منظمات دولية معنية بالتعليم في مناطق النزاعات إلى أن الطلاب المتأثرين بالحروب يحتاجون إلى دعم نفسي وتربوي إضافي وإجراءات استثنائية تراعي واقعهم، بدل الاكتفاء بتطبيق المعايير التقليدية ذاتها التي تُعتمد في الظروف الطبيعية.

 

إن المطالبة بمراعاة أوضاع طلاب الجنوب لا تعني التقليل من قيمة الشهادة الرسمية أو الدعوة إلى إلغاء الاستحقاقات التعليمية، بل هي دعوة إلى اعتماد مقاربة أكثر إنسانية ومرونة. فالتعليم ليس مجرد نظام إداري يلتزم بالمواعيد والقرارات، بل رسالة أخلاقية وإنسانية تهدف إلى حماية حق الطالب في التعلم والنجاح ضمن ظروف عادلة ومتوازنة.

ولعل السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نجري الامتحانات؟ بل: كيف نضمن أن جميع الطلاب يمتلكون الفرصة العادلة للاستعداد لها؟

 

فالطالب الذي يدرس في منزل آمن ليس كالطالب الذي يدرس في مركز إيواء أو في مكان نزوح مؤقت. والطالب الذي عاش عامًا دراسيًا مستقرًا ليس كالطالب الذي أمضى أشهره بين القلق والخوف وعدم اليقين. والفارق بين الحالتين ليس تفصيلاً ثانويًا، بل عامل أساسي يؤثر في فرص النجاح والتحصيل العلمي.

 

إن مستقبل جيل كامل لا يجب أن يُقاس فقط بعدد الصفحات التي كتبها في ورقة الامتحان، بل أيضًا بالظروف التي أُجبر على مواجهتها قبل الوصول إلى تلك الورقة.

وفي اللحظات الاستثنائية التي تمر بها الأوطان، تصبح القرارات التربوية أكثر من مجرد إجراءات إدارية؛ إنها اختبارات حقيقية لمدى قدرة المؤسسات على الموازنة بين متطلبات النظام وواجبات الإنسانية.

 

فالعدالة التعليمية لا تتحقق عندما نخضع الجميع للامتحان نفسه فحسب، بل عندما نضمن أن الجميع وصلوا إلى ذلك الامتحان بفرص متكافئة وظروف إنسانية تحفظ كرامتهم وتراعي معاناتهم.

 

ومن هنا، فإن أي مقاربة تربوية عادلة في زمن الأزمات يجب أن تنطلق من مبدأ الإنصاف لا من المساواة الشكلية فقط، وأن تضع مصلحة الطالب وحقه في فرصة عادلة في صلب القرار. فالتعليم في جوهره حق إنساني، والواجب اليوم أن نمنح الطلاب المتأثرين بالحرب الدعم والتفهم والإجراءات التي تكفل لهم خوض هذا الاستحقاق بكرامة وعدالة، بعيدًا عن أي ظلم تفرضه ظروف لم يكونوا مسؤولين عنها.

شاركها.