عارف العبد
يروي نائب رئيس مجلس النواب السابق، إيلي الفرزلي، في كتابه المشهود “أجمل التاريخ كان غدا”، أن غازي كنعان (أبو يعرب)، سأله قبل جلسة التمديد للرئيس إلياس الهراوي: “كيف يحصل انتخاب الرئيس في مجلس النواب؟” أجبته شارحاً: “هناك ثلاث وسائل في شأن التصويت على القوانين، برفع الأيدي، أو المناداة بالأسماء، وانتخاب الرئيس يجري بطريقة الاقتراع السرِّي كما ينص الدستور”.
أضاف: “نحن سنكون في صدد إقرار قانون، وليس انتخاب رئيس. التصويت الموجب على القانون العادي أو الدستوري يكون برفع الأيدي”.
يوم السبت في 30 أيلول 1995 أقام الرئيس عمر كرامي عشاءً كبيراً في “الناعورة”، في مدينة طرابلس، بمناسبة عقد خطوبة ابنه، حضره غازي كنعان إلى جانب عدد كبير من الوزراء والنواب والسياسيين. فدنا النائب مخايل ضاهر من غازي كنعان يسأله عما ينتظر الانتخابات الرئاسية، فردّ كنعان َ: “التصويت برفع الأيدي”.
هذا ما حصل بالفعل، حين انعقدت جلسة مجلس النواب، حيث مُدد للرئيس الهراوي بهذه الطريقة عندما أقترع النواب برفع الأيدي، كما أشار وطلب كنعان، بل أن بعضهم فيما بعد روى الواقعة “مزهواً”.
في كتابه “جيوش لبنان”، يروي نقولا ناصيف، أن كنعان كان يترك أحياناً ضيوفه أو زواره في انتظاره في غرفة الطعام الملاصقة لمكتبه، وهذه الطاولة وضع عليها لوحاً زجاجياً، انتشرت تحته، صور جثث مواطنين سوريين قام هو بتعذيبهم إبان أحداث ومجازر حماه، أو وضعهم في براميل من الكلس لتذويب أجسادهم، حيث كانت تظهر قطع من جثثهم وأجسادهم في الصور، وكان كنعان يشرح لبعض زواره محتويات الصور، ولا يتردد في الإفصاح والقول إنه هو من قام بهذه العمليات في التعذيب والتقاط الصور بنفسه!
يبدو أن هذه الطريقة في الترهيب والإرعاب، قد مهدت الطريق أمام سطوة كنعان وإرهابه الفظيع للسياسيين اللبنانيين. إذ تمكن من السيطرة على كثر منهم أو أغلبهم وضمِن تنفيذهم لما يريد من دون كثير عناء، فكانوا مطواعين منفذين بدقة لتوجيهاته وطلباته. حتى أن القوى المسلحة الصديقة والمرعية الخاطر، قد تعرضت لإرعاب كنعان وسطوته، بما فيهم حزب الله وخصوصا عبر حادثة ثكنة فتح الله (مقتلة عدد كبير من عناصر الحزب على يد الجيش السوري).
الواقع أن القوى السياسية في لبنان، قد اعتادت وعبر عقود ومراحل طويلة، من الممارسة والعمل السياسي وفقاً لعادة تلقي التوجيهات والأوامر من مراكز عليا بعيدة وخارج لبنان.
ربما غاب عن بال اللبنانيين، أن قسماً كبيراً من الممارسة السياسية في لبنان قام على جدلية تأثير وصناعة الخارج على أحداث الداخل. فالأحداث في لبنان، وفي أغلب الأحيان، تصنع في الخارج ليتلقاها ويتلقفها الداخل، بطيبة خاطر وسلاسة طبيعية.
لبنان بتركيبته وطبيعته الجغرافية وموقعه الجيوسياسي، كان خاضعاً للسلطنة العثمانية وقبلها للمماليك والإمبراطوريات والقوى المسيطرة التي مرت على المنطقة وحكمتها، وكان داخله السياسي والقيمي والاجتماعي، تكوّن بفعل تأثير القوى المحيطة به، وتأثر بها، وتكونت شخصيته نتيجة تأثيرها وإرادتها وما تريد.
مرد هذا الكلام والشرح اليوم، يعود إلى محاولة تفسير كيف انقلبت وانصاعت الشخصيات والقوى السياسية اللبنانية، إلى مرحلة تلقي التوجيهات والمطالب والطلبات من قوى خارجية من دون كثير عناء أو ممانعة.
أتت فضيحة ظاهرة “أبو عمر”، الأمير السعودي الوهمي، التي انفجرت خلال الأيام الماضية، خير تطبيق لهذا المفهوم. وهذه العادة المتأصلة، في أسلوب عمل الشخصيات والقوى السياسية اللبنانية، والتي باتت مطواعة وخاضعة للخارج ومعتادة على العمل السياسي بهذه الطريقة وهذا الأسلوب.
في العودة إلى موضوع “أبو عمر”، فالواقع الراهن، مرفقاً بوقائع ما حدث، وما نقل وروي، يؤكد أن الطبقة السياسية اللبنانية بشخصياتها المتعددة، لدى أغلب الأطراف من مسلمين ومسيحيين، تعيش حالة فراغ كبيرة، بل حالة تماه مع الوصاية والخضوع لسيطرة الوهم والانبطاح المتدحرج من أجل الوصول إلى السلطة والجاه، والمراكز، ولو عن طريق تلقي أوامر وتوجيهات أصوات ومراكز نفوذ عبر الهاتف أو حتى الحمام الزاجل، أو الواتساب!
المضحك المبكي، أن هذه الحادثة كشفت هشاشة واضمحلال وفراغ شخصيات وقوى ووسائل إعلام متعددة بشكل صارخ. وقد ترافق مع هذه الفضيحة ظاهرتان بارزتان؛
الأولى، وتمثلت في الدفع بكمية كبيرة من الأسماء في متن الفضيحة، ليتبين أن خلف هذه العملية، شخصيات متورطة في الموضوع انتشر أسمها، وتحركت بقصد تخفيف الضغط عليها بتسريب أسماء شخصيات أخرى لتحويل الأنظار باتجاه آخر، على طريقة زياد الرحباني في حواره مع ثريا حين طلب أن يقف “صهريج ضومط عنا شوي وعند الجيران، حتى لا يطلع الصيت علينا لوحدنا”!
ثانياً، بينت هذه التجربة، التي ستذكر لفترة طويلة، أن قسماً كبيراً من عملية تضخيم هذه الحادثة تمت لأهداف سياسية ودعائية، وليس استناداً إلى الوقائع، والكثير من الأسماء تم توريطها أو اتهامها، من قبل خصوم لها وجدت المناسبة متاحة لتصفية الحسابات ورمي الأسماء والروايات في المناسبة المتاحة، لحرق هذا وتشويه سمعة ذاك، حتى من دون وقائع صلبة أو دلائل أكيدة. وقد ساهمت هذه الواقعة أيضاً في إعادة تنشيط بعض وسائل الإعلام التقليدي وطرق الإعلان السياسي المدفوع، لدى بعض وسائل الإعلام، بدعم من حيوية وشائعات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث دخل الذباب الإلكتروني المعركة ضارباً بسيف أسياده لحرق هذا ولسع ذاك، وكأننا في موسم انتخابات وإعلانات معركة انتخابات نيابية، حيث يختلف الأخ ويفترق عن أخيه.
تأكيد هشاشة وضعف الممارسة السياسية اللبنانية، غير المحترمة للذات والمواطنين ليست بحاجة لبراهين إضافية قاطعة بين الماضي والحاضر.
لكن المواطن اللبناني الذي يتلقى كل هذه الحمم السامة على مر العهود، هل سيحظى اليوم بفرصة الاطلاع على قسم كبير من الحقيقة من الأجهزة القضائية المعنية عبر كشف الوقائع؟ أم سيبقى كما عاش دائماً، في وضعية الزوج المخدوع وآخر من يعلم؟
المصدر: المدن
