شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

طارق الحجيري

بعد أكثر من أربعة عقود على قيام حكم الملالي في إيران، لم يعد السؤال اليوم يدور حول أسباب التظاهر ضدّه، بل حول قدرة نظام العمائم على الاستمرار. فالدولة التي وُلدت من رحم الثورة، تحوّلت تدريجيًا إلى ديكتاتورية ثيوقراطية أسوأ من نظام الشاه، باتت تخشى مواطنيها، وتزرع الفقر والإذلال بدل التنمية والازدهار، وتُحكم قبضتها باسم العقيدة الدينية. نظامٌ مُتخلف جعل من السيطرة الخارجية هدفًا للبقاء، ومن تصدير التوترات والقلاقل إلى المحيط رمزًا للقوة، قبل أن يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع شعبه، يرد عليها بمنطق أمني قمعي صرف، كأنّه يريد إبقاء البلاد تعيش حالة طوارئ دائمة منذ عام 1979.

الاحتجاجات المتكرّرة التي تشهدها طهران ومدن الأطراف لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل باتت جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي الإيراني. فمنذ الحركة الخضراء عام 2009، مرورًا باحتجاجات الفقر والوقود، وصولًا إلى انتفاضات النساء والشباب بعد مقتل الشابة مهسا أميني، يتكرّر المشهد نفسه، مطالب معيشية وتنموية واضحة، في مقابل سلطة لا تجيد سوى القمع والاعتقالات والإعدامات.

ما يميّز “ربيع طهران” اليوم ليس فقط اتّساع رقعة الغضب، بل طبيعته الداخلية الصافية. فالمتظاهرون لا يطالبون بإصلاحات داخل النظام أو بتغيير وجوه الحكم، بل باتوا يضعون اسقاطه وانتاج سلطة بديلة عنه هدفا موكزيًا. فشعارات “الموت للديكتاتور” وحرق تماثيل قاسم سليماني ورفض استمرار نظام ولاية الفقيه، ليست نوبات سياسية هامشية أو عابرة، بل تعبّر عن تحوّل جذري في وعي جيل الشباب، جيل لا يرى في المعممين سوى نظام مغلق، رث صادر حاضره ومستقبله وقتل أحلامه بمواكبة العصر.
القلق الحقيقي للنظام لا يكمن في التظاهرات بحدّ ذاتها، بل في تآكل الخوف المكبوت. فعندما يصبح القمع مشهدًا سياسة يومية، يفقد تدريجيًا فعاليته الردعية. الإعدامات السريعة، تشديد القبضة الأمنية ومحاولات ترهيب الشعب، لا تنجح في إعادة إنتاج الطاعة، بل تُعمِّق الهوّة بين الدولة ومواطنيها، وكرّست القطيعة بدل احتوائها.

اقتصاديًا يعيش الإيرانيون أزمة خانقة. عقوبات دولية قاسية، سوء إدارة مزمن، هدرٍ لثروات طبيعية كبرى، وتغليب للإنفاق العسكري والأمني على حاجات المجتمع، هذه السياسة أودت بشرائح شعبية واسعة تحت خط الفقر والعوز. في المقابل يواصل النظام استعراض وهم قوته الإقليمية إنشائيًا، في مفارقة صارخة بين دولة توسّع نفوذها خارج الحدود، وتعجز عن تأمين الحدّ أدنى مقومات الحياة الكريمة لشعبها.

ومع ذلك لا يمكن التقليل من قدرة النظام على الصمود. فحكم الملالي يمتلك أجهزة أمنية متجذّرة، واقتصاد ظلّ، وسردية دينية تمنحه هامش مناورة. لكنه يواجه في المقابل أزمة بنيوية عميقة، شيخوخة سياسية وترهّل مؤسساتي، وغياب أي أفق إصلاحي حقيقي، وانقطاع شبه كامل بين السلطة والمجتمع.

السؤال ليس هل سيسقط النظام غدًا، بل هل يستطيع الاستمرار طويلًا بالشكل نفسه؟ فالدول لا تنهار فقط بفعل الضغط الخارجي أو الهزائم الأمنية، بل حين تفقد قدرتها على إقناع الناس بشرعية وجودها. وفي إيران، يبدو أن هذا العقد قد انهار بالفعل.

“ربيع طهران” قد يكون طويلًا ومكلفًا في الدماء والأرواح، وقد لا يشبه ربيع عواصم أخرى، لكنه يشير بوضوح إلى دخول إيران مرحلة جديدة، مرحلة لم يعد فيها القمع كافيًا، ولم تعد الفتاوي الجاهزة قابلة للإسكات. وعندما يصل أي نظام إلى هذه النقطة، يكون قد بدأ فعليًا مرحلة العدّ التنازلي، مهما بدا متماسكًا من الخارج.

شاركها.