شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

الرواية الحقيقية لبيان الخير عن اتصال “أبو عمر”

موقف الخير: تقاطع الثنائي الشيعي ميقاتي المستقبل على الطعن بشرعية الحكومة

نواف سلام حذر بعد تلمس المخاطر

عندما تواطأ ميقاتي وأحمد الخير على إجهاض مشروع بهاء الحريري إنشاء مركز غسيل الكلى المتطور

ستشهد المرحلة المقبلة استثماراً متواصلاً ببيان أحمد الخير للطعن بشرعية الحكومة القائمة، رغم تراجع ميقاتي ببيانه “الدستوري” لكنّ شياطين الحزب والحركة والحريري ومقربين من ميقاتي لن تتوقف عن الدفع بهذا المسار، ولو أضاء سلام العشر لهم…

أحمد الأيوبي

قدّم رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام روايته حول ما يُعرف بظاهرة “أبو عمر” عملية نصب واحتيال ذات أهداف مالية، جرى توظيفها في إطار سياسي، مشيرًا إلى أنّ أحد السياسيين تعرّض للتغرير ووقع في رواية مضلِّلة. وقال سلام: “لم أكن أعرف بـ”أبو عمر”، وهناك وصولية وانتهازية، وموقفي معروف: لا غطاء ولا مظلّة فوق أحد، وارفعوا أيديكم عن القضاء”، مشدداً على استقلالية القضاء ورفض أي تدخل في عمله، معربًا عن أسفه لوقوع عدد من السياسيين اللبنانيين ضحايا لها، ومحذرًا من محاولات استخدام هذه القضية للتشكيك بشرعية الحكومة.

كيف وصل الحال إلى التشكيك بشرعية الحكومة من خلال ملف “أبو عمر” والشيخ خلدون عريمط؟

بعد تقديم النائب محمد سليمان شهادته أمام القضاء حول ملف “أبو عمر” وقوله إنّ كتلة الاعتدال كانت قد اتفقت سلفاً على تسمية القاضي نواف سلام وأنّ إتصال الأمير الوهمي لم يغيّر عملياً من رأي الكتلة ولا من نتيجة تسميتها للرئيس المكلّف، خرج النائب أحمد الخير برواية مضادة، فقال إنّ الكتلة كانت منقسمة وأنّ عدداً من نوابها كان بصدد تسمية الرئيس نجيب ميقاتي وآخرين مع سلام، وزعم أنّ اتصال “أبو عمر” فرض شبه إجماع في “الاعتدال” لتسمية سلام.

شكّل كلام الخير صفعة عنيفة لزملائه في الكتلة، وشكّل إدانة لنفسه وجرّاً للرئيس ميقاتي إلى الميدان، بعد أن كانت أوساطه الإعلامية تتحدث منذ بداية انكشاف القضية عن الطعن بشرعية الحكومة الحالية.
أدّى انقلاب أحمد الخير إلى انفراط عقد “كتلة الاعتدال” فاستقال منها النائبان وليد العريني وأحمد رستم، ولا يُعرف كيف ستعود للاجتماع في ظلّ التباين الذي ظهر أيضاً بين الخير وبين النائب سجيع عطية الذي أكّد رواية سليمان!

لكنّ الإشكال لا يتوقف عند حدود التداعيات على كتلة صار يجب أن نسميها “كتلة الاعتلال”، وهي أصلاً تجمع لفاشلين من بقايا الشبكة التي ركّبها تحالف كامن بين الرئيس نجيب ميقاتي والأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري في انتخابات العام 2022..

كشفت الوقائع أنّ بيان النائب أحمد الخير لم يصدر من عندياته، بل إنّه صناعة رباعية الأطراف: “حزب الله” والرئيس نبيه بري، الرئيس ميقاتي وأحمد الحريري، الذين جمعت بينهم المصلحة على إطاحة الرئيس نواف سلام، فكان صيغة بيان الخير توافقية تخدم الأهداف المشتركة لكلّ طرف من هؤلاء.

أول العاملين على الإطاحة غير المباشرة بالحكومة هو “حزب الله” ومعه الرئيس نبيه بري، لأنّ الرئيس سلام أعطى الثنائي الشيعي ما أراده منه تحت عنوان إعادة إعمار الجنوب، فقد حصل الثنائي على مبلغ 200 مليون دولار رشوة انتخابية تحت عنوان إعادة إعمار الجنوب من موازنة الحكومة، كما أنّ إقرار قرض البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار سيتيح أيضاً للحزب والحركة مدّ اليد على المال العام، فضلاً عن أنّ إدارة مجلس الجنوب منتهية الصلاحية وغير قانونية منذ عقود.

أخذ الثنائي الشيعي المال، وبقي على أولويات الحكومة الضاغطة استحقاق حصرية السلاح، لهذا من مصلحة الحزب والحركة تطيير حكومة سلام وتعطيل القرار الدستوري، في أيّ لحظة يحتاج فيها الثنائي إطاحة الحكومة.

أمّا الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري فإنّه في تحالف يتعزّز يوماً بعد آخر مع الثنائي الشيعي، وهذا واضح من خلال حركة السيدة بهية الحريري الملتصقة بالرئيس بري، والتي تربط مواقفها الخاصة بإعادة الإعمار بمجلس الجنوب، ولا تعترض على التمييز الحاصل فيه بحقّ القرى السنية في الجنوب، ولا على عدم قانونية مجلس إدارة مجلس الجنوب.

يبقى الرئيس ميقاتي، الذي انطلق المقربون منه في الحديث الإعلامي عن الطعن بحكومة نواف سلام منذ اللحظة الأولى لانتشار خبريات “أبو عمر” واعتبارها غير شرعية وأنّ الطعن فيها وارد والعمل عليه دستورياً يؤدي إلى إسقاطها.. لكنّ ميقاتي يدرك أنّ وصول سلام قرار دولي وعربي لا تؤثِّر فيه ألاعيب “أبو عمر” وخلدون عريمط، ولا تسقط حكومته مقابلات صحافية ساخطة ولا تغريداتٌ إعلامية “تجتهد” خلاف المنطق والدستور والواقع.

واقع الحال أنّ الواقفين وراء بيان أحمد الخير أرادوا خلق موجة سياسية تطعن بشرعية الحكومة، وهو ما حذّر منه الرئيس نواف سلام، مما يعني أنّ المسألة باتت مؤثِّرة في الجانب المعنوي على واقع الحكومة، وهذا يوجب على رئيسها تغيير سياساته وليس الانغماس في “ترويكا” السلطة ومجاراة “حزب الله” وبري والتركيبة الحامية للسلاح غير الشرعي، لأنّ شرعية سلام وحكومته مستمدّة من الهدف الذي جاءت لأجله وهو “حصرية السلاح”، فإذا تخلّت عنه، فإنّها ستسقط حكماً ولن تجد من يأسف عليها.

لقد وضع أحمد الخير نفسه في خدمة “حزب الله” وحركة أمل، وانحاز إلى ميقاتي لضرب حكومة اتخذت للمرة الأولى في تاريخ الحكومات اللبنانية قراراً واضحاً بحصرية السلاح غير الشرعي، وهو بذلك انضمّ إلى كتلة الثنائي الشيعي عملياً، بعيداً عن التوجه الشعبي العام لأهل المنية الذين انتفضوا لدماء الشهيد رفيق الحريري وأسموا مدينتهم على اسمه، فهم سياديون متمسكون بالدستور وبصلاحيات رئاسة الحكومة.
هذا مع العلم أنّها ليست المرّة الأولى التي يخذل فيها أحمد الخير أهل المنية، فهو تحالف مع الرئيس ميقاتي لتعطيل مشروع مركز غسيل الكلى المتطور الذي قدّمه الشيخ بهاء رفيق الحريري واستبدلاه بغرفة لا تكاد تلبي ربع حاجة المنطقة لهذه الخدمة الإنسانية الحيوية.

أسقط النائب أحمد الخير نفسه عندما ارتضى أن يكون أداة بين مربع التخريب السياسي، وهو ببيانه المشكوف أضاع أمانة تمثيل الناخبين في المنية، ورهن قراره بيد الثنائي الشيعي، وهو بات ركيزة الطعن بالحكومة القائمة، هذا فضلاً عن أنّ كلّ فترته النيابية كانت عبارة عن استعراضات لإنجازات وادعاءات بالوقوف وراء القليل المتحقِّق..

لم يعلن أحمد الخير موقفاً واضحاً من مظالم السنة في الدولة، ولا في ملفات الموقوفين المظلومين، ولم يتصدَّ لتبخّر السنة من مواقعهم في الدولة، بل كان دائماً جزءً من جوقة التطبيل السياسي في البلد، بعيداً عن المصالح الجوهرية للسنة عموماً والمنية خصوصاً.

ستشهد المرحلة المقبلة استثماراً متواصلاً ببيان أحمد الخير للطعن بشرعية الحكومة القائمة، رغم تراجع ميقاتي ببيانه “الدستوري” لكنّ شياطين الحزب والحركة والحريري ومقربين من ميقاتي لن تتوقف عن الدفع بهذا المسار، ولو أضاء سلام العشر لهم…

شاركها.