القاضي محمد النقري
يعتبر المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى للمسلمين السنة بمثابة «برلمان» مصغّر ومحدود الصلاحية حيث توكل اليه مهام التشريع في الأمور الدينية والوقفية، وتكون قراراته نافذة بذاتها وتنشر في الجريدة الرسمية. يعود تاريخ إنشائه الى فترة بداية الإنتداب الفرنسي، حيث استفادت فرنسا من أخطائها وتجربتها الاستعمارية الفاشلة في الجزائر لتدخّلها المباشر في الشؤون الدينية والوقفية للمسلمين، فسارعت في السنوات الأولى لإعلان وصايتها على لبنان وسوريا الى إنشاء ما أسمته بالرقابة العامة على الأوقاف الإسلامية بقرار رقم 753 بتاريخ 2 آذار 1921 ليحل محل وزارة الأوقاف العثمانية بعد تفكك السلطنة وانحلال روابطها مع الأجهزة الدينية والوقفية في الدول التي كانت تابعة لها. أرادت فرنسا بذلك إيجاد مرجعية إسلامية بديلة ومنح المسلمين صلاحية إدارة شؤونهم الدينية والوقفية مع إبقاء مراقبتها العليا عليها من قبل المفوض السامي، وكي تكون قرارات الرقابة العامة للأوقاف ملزمة نصّت على أنها تعتبر نافذة بذاتها كالأحكام الصادرة عن المحاكم الشرعية.
بعد إعلان دستور 1930 وما استتبعه من تعديلات أساسية أجرتها سلطات الانتداب في تنظيمات الدولة، عرض المفوض السامي على المجلس الأعلى للأوقاف الذي يتبع الرقابة العامة، مشروع قرار بإلغاء الرقابة العامة للأوقاف واستبدالها بنظام ديني ووقفي جديد تحت مسمّى المجلس الشرعي الأعلى. نظراً لأهمية هذا المشروع تداعى المفتون في دمشق وبيروت واللاذقية وحلب وطرابلس وبحضور قاضي قضاة بيروت وأحد الوجهاء من مدينتها ومدير أوقاف دمشق وتوافقوا بإقرار نص جديد عرف باسم قرار رقم 10 بتاريخ 27 كانون الأول 1930. صدّق المفوض السامي الفرنسي على هذا القرار بتاريخ 16 كانون الأول سنة 1931، وبتاريخ 17 أيلول 1934أحيل الى التقاعد المراقب العام للأوقاف الإسلامية بعد إلغاء منصبه بقرار من المفوض السامي رقم 218 و219.
هذه التعديلات الأساسية التي أقرّها دستور 1930 أناطت برئيسي الدولتين في سوريا ولبنان مهام الرقابة العامة على الأوقاف. وبما أن رئيس الدولة في لبنان ينتمي الى إحدى الطوائف غير الإسلامية فقد منحت سلطات الانتداب هذه الصلاحية الى أعلى موظف من المسلمين السنة في الدولة. بناء على هذه التعديلات استقلت الإدارات الوقفية في كل من بيروت ودمشق وحلب واللاذقية عن بعضها البعض ووضع داخل كل إدارة مجلس علمي وإداري ولجنة مختصة بالوظائف الدينية. غير أن أهم ما تضمنه القرار رقم 10 هو إقرار مبدأ الانتخاب لعضوية هذه المجالس وللوظائف الدينية، فأنشأ هذا القرار هيئة انتخابية في كل من الإدارات الوقفية المذكورة، الى جانب الأعضاء الطبيعيين. هذه الهيئة الانتخابية الإسلامية ضمت كافة النواب المسلمين ومنتدبين من المجالس الإدارية والبلدية وغرف التجارة والزراعة ومن نقابة الأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة ومن متولي الأوقاف ومن الجمعيات الخيرية ومن العلماء والقضاة ونقباء الأشراف ومدراء الأوقاف والمفتين. نصت المواد 12 و13 و14 من هذا القرار على طريقة الانتخاب بالاقتراع السري وبرئاسة المفتي، وطريقة إعلان النتائج ونشرها وتبليغها. كما أعطت لهذه الهيئة الانتخابية صلاحية الرقابة العامة على الأوقاف، والإطلاع بهيئتها العامة السنوية على التقارير التي يرسلها المجلس الإداري في كل إدارة وقفية ووضع التوصيات عليها وإرسالها الى المجلس الشرعي الأعلى.
بتاريخ 9 تموز سنة 1932 صدر عن رئيس الجمهورية اللبنانية شارل دباس مرسوم رقم 291 نص على ما يأتي:
إن رئيس الجمهورية اللبنانية، رئيس الحكومة،
بناء على القرار رقم 56 و55 الصادرين بتاريخ 9 أيار سنة 1932 من المفوض السامي للجمهورية الفرنساوية، يرسم ما يأتي:
المادة 1- إن مفتي بيروت يلقب من الآن فصاعدا مفتي الجمهورية اللبنانية.
المادة 2- يكلف مفتي الجمهورية اللبنانية القيام بكل تحقيق يتعلق بمهام المفتين السنيين في الملحقات. ويقترح على موافقة الحكومة بعد اتفاقية مع سماحة قاضي القضاة أسماء الذين ترشحهم الهيئات الانتخابية ذات الشأن.
المادة 3- ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة إلى ذلك.
بعد صدور هذا المرسوم والمداولات التي أجريت بين المسلمين في لبنان توافقت الآراء على أن ترتبط الإدارات الدينية والوقفية بمفتي الجمهورية بدلاً من أعلى موظف من المسلمين السنة في الدولة. لم تتأخر بعد صدور هذا المرسوم الانتخابات التي أجرتها الهيئة العامة الانتخابية الإسلامية بناء على القرار رقم 10، فأعلنت في شهر أيلول من سنة 1932 أسماء أول مجلس شرعي أعلى في لبنان وهم: مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ توفيق خالد رئيساً، قاضي قضاة المحاكم الشرعية السنية الشيخ محمد علي أنسي نائباً للرئيس، والأعضاء : القاضي الشرعي الشيخ مصطفى غلاييني، المدير العام في وزارة الداخلية صبحي أبو النصر، الشيخ أحمد المحمصاني، محمد فاخوري، عمر الداعوق.
استمر عمل هذا المجلس الى حين وفاة مفتي الجمهورية الشيخ توفيق خالد سنة 1951، وبتاريخ 19 آب سنة 1951 أجرى المفتي الشيخ محمد علايا الذي خلفه على إفتاء الجمهورية تعديلاً بأسماء الأعضاء. في سنة 1955 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 18 والذي نظم شؤون الطائفة السنية واعتبر أول نظام ديني ووقفي للمسلمين في لبنان. بمقتضى هذا المرسوم الإشتراعي قبل المسلمون السنة بمبدأ اعتبارهم طائفة دينية مثل باقي الطوائف المسيحية حيث كانت تشير تقارير المفوض السامي الفرنسي الى عصبة الأمم خلال فترة الإنتداب بأن «المسلمين في لبنان وسوريا يعترضون بقوة وصلابة على اعتبارهم طوائف دينية ويرفضون تقديم أنظمتهم الأساسية كطوائف معترف بها من قبل الدولة، فهم كما يقولون بأنهم في صميم الدولة ومكون أساسي فيها وليسوا طوائف».
استقرّ تنظيم المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى بعد صدور المرسوم الإشتراعي رقم 18 لسنة 1955 فنصت المادة 38 على ما يأتي: «يؤازر المجلس الشرعي الأعلى مفتي الجمهورية في بعض المهام المنوطة به، ويملك المجلس بنوع خاص سلطة اصدار النظم والقرارات والتعليمات التي يقتضيها تنظيم شؤون الطائفة الدينية وإدارة جميع أوقافها الخيرية على اختلاف أنواعها وغاياتها وأسمائها بما يكفل حفظ عينها وحسن استغلالها وتأمين الجهات الخيرية – الموقوفة عليها وله أيضا صلاحية تفسير النظم والمقررات في المواضيع المذكورة آنفاً.
تناولت باقي مواد المرسوم 18 المعدلة كيفية تأليف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي يرأسه مفتي الجمهورية حيث نصت على تأليفه من أعضاء طبيعيين وأعضاء منتخبين، وأعضاء معينين. الأعضاء الطبيعيون هم: رئيس مجلس الوزراء العامل ورؤساء مجلس الوزراء السابقون. وأما الأعضاء المنتخبون فيبلغ عددهم إثنان وثلاثون عضواً: ثمانية أعضاء من محافظة بيروت، ثمانية أعضاء من محافظة الشمال، أربعة أعضاء من محافظة الجنوب، عضوان من محافظة جبل لبنان، عضوان من محافظة البقاع، فيصبح المجموع أربعة وعشرين عضواً، ينضم إليهم ثمانية أعضاء معيّنين من قبل مفتي الجمهورية من المتصفين بثقافتهم العالية واخلاقهم النزيهة ليصبح المجموع إثنان وثلاثون عضواً. هذا العدد لم يراع الثقل السني في عكار وحرم أهالي جبيل من اختيار عضواً منهم، بل وحرمهم بتعسف من أن يكون لهم مفتي مستقل عن جبل لبنان رغم النص عليه في مرسوم سنة 1986، بالإضافة الى حرمانهم من وظيفة «مدرّس فتوى».
ونصت المادة 5: يتولى منصب مفتي الجمهورية اللبنانية من ينتخب من المرشحين من علماء الدين الإسلامي السنيين اللبنانيين من ذوي السيرة الحميدة والصلاح الحائزين على شهادة دينية عالية أو الذين مارسوا وظيفة القضاء الشرعي مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة. ويشترط أن يكون المرشح قد أتمّ الأربعين من عمره.
والمادة 6 نصت على مدة ولاية مفتي الجمهورية: «ينتخب مفتي الجمهورية لمدة حياته ولا يعفى من منصبه إلّا لدواعٍ صحية تمنعه من حسن القيام بمهامه، أو لأسباب خطيرة، ويصدر قرار الإعفاء من مجلس الانتخاب الاسلامي بدعوة من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى حال عدم اعتزال المنصب بالطوع والاختيار وذلك بأكثرية ثلاثة أرباع الأعضاء على الأقل، وفي حال الاعتزال أو الإعفاء للمرض يمكن أن يعطى المعتزل أو المعفى مخصصات شهرية كافية من صندوق الافتاء الخاص أن توفر، وإلّا فمن ميزانية الأوقات الإسلامية شرط أن لا يتعاطى بنفسه أية وظيفة أو مهنة أو عمل. تحدد هذه المخصصات بقرار من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى».
عدّلت هذه المادة سنة 1996 لتصبح : «ينتخب مفتي الجمهورية لولاية تنتهي ببلوغه سن الثانية والسبعين على أن لا تقل في مطلق الأحوال عن خمس سنوات». ثم عدّلت في سنة 2023 لتصبح: «ينتخب مفتي الجمهورية لولاية تنتهي ببلوغه سن السادسة والسبعين على أن لا يقل في مطلق الأحوال عن خمس سنوات».
والمادة 8 نصت على تأليف مجلس الانتخاب الإسلامي من الأعضاء الآتي ذكرهم:
1- رئيس الوزراء العامل، وفي حال عدم وجوده من يقوم مقامه بتمثيل المسلمين في ممارسة السلطة التنفيذية.
2- رؤساء المجالس النيابية ورؤساء الوزارة السابقون من المسلمين السنيين.
3- الوزراء العاملون المسلمون السنيون، وفي حال عدم وجودهم من يقوم مقامهم بتمثيل المسلمين في ممارسة السلطة التنفيذية.
4- النواب المسلمون السنيون، وفي حال عدم وجودهم من يقوم مقامهم بتمثيل المسلمين في ممارسة السلطة الاشتراعية.
5- رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا وأعضاؤها والقضاة الشرعيون السنيون والمفتون السنيون في الجمهورية اللبنانية.
6- القضاة العدليون والإداريون المسلمون السنيون من الدرجات الثماني العليا.
7- نائب رئيس وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ورؤساء وأعضاء مجالس الأوقاف الإدارية في العاصمة ومراكز المحافظات.
8- رؤساء وأعضاء المجالس البلدية المسلمون والسنيون في العاصمة ومراكز المحافظات.
9- مندوبون ثلاثة عن كل من الغرف التجارية والزراعية وجمعيتي التجار والصناعيين من المسلمين السنيين العاملين في العاصمة ومراكز المحافظات. ومندوبون ثلاثة عن كل نقابة من نقابات المحامين والأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة والمهندسين والمعلمين والصحافيين ومحرري الصحف من المسلمين السنيين وعن كل من جمعيتي المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت وصيدا، وعن الجمعية الخيرية الإسلامية واسعاف المحتاجين في طرابلس، ومندوب واحد عن كل من اتحادات نقابات العمال وأرباب العمل المعترف بها رسميا.
10- الأساتذة الجامعيون المسلمون السنيون اللبنانيين في الجامعات الموجودة في لبنان من حملة الشهادات الجامعية العليا.
11- الخطباء والأئمة والمدرّسون اللبنانيون في الجمهورية اللبنانية الحائزون على شهادة دينية أو الذين مضى عليهم عشر سنوات في الوظيفة ومدرّسو الإفتاء، وكل لبناني يحمل شهادة دينية عالية ولو لم يكن يعمل في السلك الديني. ان عدم وجود هيئة أو أكثر من الهيئات المذكورة في هذه المادة بتاريخ الانتخاب لا يكون مانعا من إجرائه.
عدّلت هذه المادة في سنة 1996 لتصبح: «يتألف مجلس الانتخاب الإسلامي من: 1 رئيس مجلس الوزراء العامل ورؤساء مجلس الوزراء السابقين. 2 الوزراء المسلمين السنيين العاملين. 3 النواب المسلمين السنيين العاملين. 4 أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. 5 المفتين المحليين العاملين. 6 العلماء قضاة الشرع الشريف العاملين. 7 العلماء قضاة الشرع الشريف المتقاعدين. 8 أمين الفتوى في كل من بيروت وطرابلس. 9 المدير العام للأوقاف الإسلامية».
في قول مأثور للشيخ محمد الغزالي: «إنَّ أمتنا غنية بأولي الألباب، ولكنِّي لا أعرف أمَّةً تضع السدود أمام عقلائها كالأمَّة الإسلاميَّة». ولعلّي أزيد عليها بأن طائفتنا السنية غنية بنصوصها القانونية والدينية والوقفية ولكني لا أعرف طوائف كثيرة مثل طائفتنا السنية تستشهد بهذه النصوص وتتمجد بعمقها التاريخي وبسموها وشموليتها ثم تضعها على الرفوف ولا تطبقها باختيار الأصلح – انتخاباً وتعييناً – سواء في مجالسها الشرعية ومؤسساتها الدينية والتعليمية والإجتماعية من البعيدين عن التجاذبات السياسية ومن الذين يحسنون الكلام والنقد الجريء المحق ويقرنونه بالعمل الدؤوب وفق برامج إصلاحية فورية وعاجلة للإستنهاض بعد طول السبات والغفوة.
المصدر: جريدة اللواء
