
د.نبيل العتوم
تشهد إيران واحدة من أخطر موجات الاحتجاج منذ قيام الثورة ، لا بسبب اتساع رقعتها فقط، بل لأن طبيعتها كسرت معادلة الخوف التي طالما اعتمد عليها النظام. ما يجري اليوم لم يعد احتجاجًا معيشيًا عابرًا، بل مواجهة مفتوحة بين مجتمع يشعر بأن الدولة صادرت مستقبله، وسلطة تتصرف بعقلية حصار وجودي.
الشارع الإيراني يتحرك بلا قيادة مركزية واضحة، فتنتقل الاحتجاجات بسرعة بين المدن وتتبدل شعاراتها من الاقتصاد إلى السياسة، ما يجعل القمع التقليدي أقل فعالية وأكثر كلفة. هذا التفكك الظاهري للحراك هو مصدر قوته، لأنه يحرم الأجهزة الأمنية من استهداف رأس واحد وإخماد الموجة دفعة واحدة.
في هذا السياق، تتكشّف دلالات أخطر مع لجوء طهران إلى وكلائها الإقليميين، عبر تسريبات اعلامية بناء عن معطيات ميدانية تتحدث عن الاستعانة بعناصر من حزب الله اللبناني وفصائل مسلحة عراقية مرتبطة بالحشد الشعبي وحزب الله العراقي للمساندة في مهام أمنية حساسة ؛ هذا الخيار لا يعكس فقط تشددًا أمنيًا، بل أزمة ثقة داخلية عميقة، إذ بات النظام يعتمد على شبكات ولاء عابرة للحدود لتعويض تآكل السيطرة من داخل المجتمع الإيراني نفسه ومؤسساته العسكرية والأمنية .
من هنا لم يعد الرهان مقتصرًا على الباسيج والحرس الثوري ، بل على منظومة قمع أوسع وأكثر تشددًا، تُدار بعقلية الطوارئ وتوسّع دائرة العنف بدل احتوائه. غير أن هذه المقاربة، رغم قسوتها، تعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع وتحوّل القمع إلى وقود إضافي للاحتجاج ، وغضب الشعب الايراني ضد وكلاء النظام .
اقتصاديًا، تأتي الانتفاضة في لحظة خانقة بفعل العقوبات، وتدهور العملة، وتآكل القدرة الشرائية، ما دفع شرائح كانت صامتة تقليديًا إلى الشارع. أما سياسيًا، فيدرك النظام أن أي تراجع يُقرأ ضعفًا، لكنه يعلم أيضًا أن القمع الواسع يراكم انفجارًا غير مؤجل، وبشكل غير مسبوق هذه المره .
النتيجة الحتمية أن هذه الاحتجاجات لاتهدد النظام فحسب ؛ بل هي قادرة على إسقاطه، لأنها باتت تكشف عجزه البنيوي عن إنتاج عقد اجتماعي جديد…. إنها لحظة تعيد تعريف الخوف داخل المجتمع، ولهذا تبدو أخطر من أي وقت مضى: لأن أخطر ما يواجه الأنظمة المغلقة ليس الشارع الغاضب فقط، بل الشارع الذي لم يعد يخاف ويواجه الموت بصدوره العارية .
