
المحامية مايا صافي
العالم اليوم يعيش الحقيقة المؤلمة، يعيش لحظة انكشاف قاس لوهم قديم وشعارات مزيفة، ما قيل لنا يوما عن ” عدالة دولية ” و ” نظام عالمي أخلاقي ” و ” قانون يحمي الإنسان بلا تمييز”، هذه الشعارات لم تسقط اليوم ، سقطت منذ زمن لكننّا حرصنا على أن نغطيها بالآمال والخطابات. اليوم فقط سقطت الأقنعة، وظهرت الحقيقة بوجهها العاري: قوة تتحكم، مصالح تُشرعن، ودماء تختلف قيمتها بحسب هوية أصحابها.
وكل ذلك يحدث في عصر السرعة، عصر تتسارع فيه الأحداث كما تتسارع الانهيارات، زمن تصنع فيه القرارات بسرعة الضوء، وتُرسم فيه السياسات في لحظات، وتُنتج فيه الكوارث بضغطة زر. التكنولوجيا التي فتحت العالم على بعضه وجعلته قرية صغيرة، جعلته أيضا مكشوفا، مهددا، وعرضة لانفجارات بشرية وسياسية وأخلاقية لحظية. نحن في زمن تقاس فيه الدول بقدرتها على السرعة في الأداء والسرعة في تحقيق النتائج، زمن لا يرحم المتأخرين ولا ينتظر المترددين.
والأخطر ان هذا العالم الرديء الساقط سيسقط معه من يرضون بدور “المتفرج”. هنا تحديدا تظهر مسؤولية الأنظمة العربية، فاللحظة الحالية ليست مجرد مشهد عالمي، إنها اختبار مباشر لكرامة المنطقة وشعوبها ومستقبلها.
سياسة “الانبطاح”، والمراهنة على إرضاء القوى الكبرى، والرهان على الضعف بدل الموقف، كلها علامات مؤكدة لفقدان ما تبقى من وزن عربي سياسي وأخلاقي. الحكام العرب مدعوون اليوم إلى أن يدركوا أن الصمت ليس حيادا، بل مشاركة ضمنية في ترسيخ الظلم. وأن الرهان على القوة الخارجية لحماية الكراسي لن يحمي دولا، ولن يبني مستقبلا … بل سينقلب عليهم.
إن المطلوب ليس خطابا عالي النبرة، بل وعيا شجاعا ومسؤولية تاريخية:
وعي بأن الشرعية الحقيقية تُبنى من ثقة الشعوب، وعي بأن الكرامة السياسية ليست رفاهية،وعي بأن التاريخ لا يرحم من يقفون في صف الخوف بينما يقف العالم على أبواب التحولات الكبرى.
وللتذكير فالتاريخ ليس خطّا مستقيما، بل موجات: فترات انهيار تعقبها فترات نهضة. في كل مرحلة ظلم كبيرة ظهر من يدافع، ومن يصر على الحياة، ومن يحافظ على الشعلة الإنسانية من الانطفاء.
وإن كان الظلم اليوم أعلى صوتا، فهذا لا يعني أن العدالة ماتت!!! بل يعني أن الطريق إليها صار أصعب، وأن مسؤولية كل من يملك كلمة أو قرارا، خصوصا في العالم العربي، صارت أكبر وأثقل …
هل من يسمع ؟
