د.عبد المنعم يوسف
تسرّبت معلومات جدّية عن نيّة لدى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان بالدعوة إلى عقد جلسة للمجلس يوم السبت المقبل، الموافق 10/01/2026، تُعدّ سابقة من حيث الشكل والمضمون، يُتوقَّع أن يخرج فيها أحد المحسوبين على الأمير الملقّب بـ«أبو عمر» وشيخه، طالباً من خارج جدول الأعمال طرح الثقة بعضو المجلس القاضي حمزة شرف الدين وإقصاءه.
إنّ هذا التوجّه، إن صحّ، يشكّل خطوة قائمة على دوافع انتقامية خطيرة، تتنافى مع أبسط قواعد الشرع والقانون والأخلاق العامة، وتكشف ذهنية سلطة قائمة داخل دار الفتوى تخشى المساءلة، وتستبيح المؤسسات الدينية لخدمة مصالح شخصية وسياسية ضيّقة.
إنّ عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى القاضي حمزة شرف الدين لم يرتكب جرماً ولا خطأً، بل أدّى واجبه الشرعي والوطني حين طالب، بكل شجاعة ومسؤولية، بفتح ملف تداعيات فضيحة الأمير الملقّب بـ«أبو عمر» والشيخ خلدون عريمط داخل دار الإفتاء، وما رافقها من تحقيقات وتوقيفات قضائية وتسريبات إعلامية كان لها أثر سلبي بالغ على صورة الدار وموقع مفتيها. كما كشف هذا الملف عن دور خطير أدّاه الشيخ عريمط و«أميره» في التمهيد لورشة غير قانونية هدفت إلى التمديد للمفتي عبد اللطيف دريان في جلسة 09/09/2023، في التفاف واضح وفاضح آنذاك على الأصول، وعلى روح القانون والفقه والمؤسسة.
وبدل أن تبادر دار الفتوى إلى مراجعة ذاتية، وتصحيح مكامن الخلل، وفتح باب المحاسبة، يُراد لها اليوم أن تتحوّل إلى أداة إقصاء، يصبح فيها الضحية متهماً، والصوت الإصلاحي مخلّاً بالنظام، في منطق مقلوب لا يحترم عقول الناس ولا يخشى الله.
إنّ أي محاولة لاستهداف عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى القاضي حمزة شرف الدين، أو لإسقاط عضويته، تُعدّ:
أولاً: مخالفة قانونية صريحة، إذ إن المجلس ليس أداة لتصفية الحسابات الشخصية، بل هيئة تمثيلية تخضع لقواعد واضحة في الدعوة إلى الاجتماعات، وإدراج البنود على جداول الأعمال، وآليات التصويت، وحقوق الادعاء والدفاع، وحرية إبداء الرأي.
ثانياً: مخالفة فقهية وشرعية، لأن الشريعة لا تجيز معاقبة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ولا تسمح بتحويل المؤسسة الدينية إلى درع يحمي من تحيط به شبهات فساد جسيمة، بدل أن تكون منبراً للنزاهة والعدل والشفافية.
ثالثاً: مخالفة أخلاقية ودينية، لأن الانتقام ممن طالب بالإصلاح وتنقية دار الفتوى من الشبهات يعني عملياً تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وتشجيع الفساد داخل المؤسسة الدينية، وإسكات كل صوت مخلص يرفض التلاعب بموقع الإفتاء وهيبة الشرع.
وعليه، يُقال للمفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، بشكل مباشر وصريح:
أولاً: إنّ المقام الديني لا يحصّن من المساءلة، ولا يعلو على الحق، ولا يبيح استخدام المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى سيفاً مسلطاً على رقاب الأعضاء الأحرار والشجعان.
ثانياً: إنّ أي انعقاد لجلسة يُراد منها تصفية حسابات ثأرية مع القاضي حمزة شرف الدين، أو تهديده، أو عزله، سيُحفظ في ذاكرة الناس، ويُسجَّل في التاريخ بوصفه محطة سوداء في مسار دار الفتوى، وانحرافاً خطيراً عن مقاصد الشريعة ورسالتها.
ثالثاً: إنّ هذا الأمر، في حال حصوله، لن يمرّ مرور الكرام، ولن يُواجَه بالصمت، بل سيقابل بردّة فعل واسعة في وجدان المسلمين وضمير النخب داخل الطائفة السنية، وستعلو أصوات الحق على نحو يصعب احتواؤه أو تجاهله، ولأولي الألباب عبرة في ما آلت إليه ملفات سابقة انتهت بعزل رأس الدار.
كما يُقال، صراحة وعلناً، لأعضاء المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، فرداً فرداً، ولا سيما الأصدقاء والمعارف منهم:
أولاً: إنّ مشاركتكم في أي جلسة تُستخدم غطاءً للانتقام من زميل لكم لأنه قال كلمة حق، تُعدّ شراكة صريحة في الظلم، ومسؤولية شخصية أمام الله والتاريخ والرأي العام.
ثانياً: إنّ التذرّع بالطاعة الشكلية أو الاعتبارات السياسية لا يعفي من تبعات التصويت على قرار جائر يطال أحد أكثر أعضاء المجلس نزاهةً وشجاعةً واستعداداً لتحمّل كلفة الإصلاح.
ثالثاً: إنكم تعلمون، أمام ضمائركم وأمام الله، أنّ بينكم من رضخ للضغوط والاتصالات والمناورات التي قادها الأمير الملقّب بـ«أبو عمر» وشيخه عريمط، للسير في ورشة تمديد غير قانونية ومن خارج جدول الأعمال للمفتي دريان، والتي كادت، لولا لطف الله، أن تتحوّل إلى تمديد مفتوح.
رابعاً: إنكم جميعاً تعرفون القاضي حمزة شرف الدين، وتعلمون نزاهته واستقامته وشجاعته وحرصه على مصالح المسلمين ودار إفتائهم، كما تعلمون حجم التدهور الذي أصاب الدار نتيجة ممارسات التمديد والأساليب الملتوية التي لا تليق بمؤسسة دينية جامعة، فلا تحملوا وزر من وقع في حبائل الأمير وشيخه، ولا تورّثوا العار لمن بعدكم.
إنّ المطلوب اليوم ليس ملاحقة القاضي حمزة شرف الدين، بل:
أولاً: وقف أي مسار انتقامي يستهدف الأصوات الإصلاحية داخل المجلس.
ثانياً: فتح تحقيق شفاف وعلني في ملف فضيحة الأمير الملقّب بـ«أبو عمر» والشيخ خلدون عريمط، وكل ما ارتبط بورشة التمديد في جلسة 09/09/2023.
ثالثاً: إطلاق ورشة إصلاح جذرية في آلية عمل دار الفتوى، وانتخاب المجلس، واختيار المفتي، بما يعيد ثقة الناس واحترامهم لهذه المؤسسة.
إنّ كل محاولة لخنق الحقيقة، أو لإسكات المطالبين بالإصلاح، أو للاقتصاص الانفعالي من القاضي شرف الدين أو من غيره، لن تؤدي إلا إلى تضخيم الفضيحة، وإضعاف موقع الإفتاء، وإبعاد دار الفتوى عن رسالتها الأصلية كمرجعية روحية جامعة، لا كمؤسسة خاضعة لمنطق الصفقات والتمديدات.
إنّ الله لا يرضى بالظلم، والناس لا تنسى، والتاريخ لا يرحم.
