شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

محمد ياسين نجار

ما جرى مع نيكولاس مادورو وزوجته لا يمكن قراءته كـ«ملف قضائي» أو «عملية أمنية» معزولة، بل هو قرار جيوسياسي مركّب جاء في لحظة انتقال دولي حاد، حيث تعيد الولايات المتحدة ترتيب أدواتها ومناطق نفوذها وفق منطق القوة والمصلحة، بعيدا عن الخطاب الأخلاقي والقيمي الذي اعتمد ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن يقرأ العملية بعين استراتيجية، يدرك أن الجغرافيا، الطاقة، والشبكات غير النظامية هي المفاتيح الفعلية للفهم.

 النفط والثروات… قلب الصراع

فنزويلا ليست دولة عادية. نحن نتحدث عن دولة مساحتها تقارب مليون كم مربع وعدد سكانها قرابة 30 مليون نسمة وتمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (أكثر من 300 مليار برميل)، إضافة إلى الذهب والماس والنيكل. في مرحلة يُعاد فيها تعريف أمن الطاقة العالمي بعد أوكرانيا وغزة وبحر الصين، لا يمكن لواشنطن القبول ببقاء هذه الكتلة الجيواقتصادية خارج السيطرة أو بيد نظام معادٍ ومتداخل مع خصومها.

المخدرات وغسيل الأموال… من الاقتصاد الأسود إلى التهديد الأمني

تحولت فنزويلا خلال عهد مادورو إلى عقدة مركزية في اقتصاد الظل العالمي: مخدرات، غسيل أموال، وشبكات عابرة للقارات.
ما قبل تحرير سورية تقاطعت هذه الشبكات مع نظام الأسد البائد عبر التزويد بمواد كيميائية لتصنيع الكبتاغون، وحاليا هناك دور في تمويل فلوله بمبالغ خاصة أن هناك شركات واستثمارات يديرها رامي مخلوف ويسار إبراهيم تُقدَّر بقرابة 6 مليارات دولار.
بالتالي لم تعد القضية مادورو وزوجته «فساد نظام»، بل تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي والدولي.

مبدأ مونرو… العودة إلى الفناء الخلفي

ما يجري هو إحياء صريح لمبدأ مونرو: لا مكان لقوى منافسة في أميركا اللاتينية لأميركا.
التمدد الروسي والصيني في فنزويلا لم يعد مقبولاً في لحظة تصاعد الصراع على النظام العالمي. اعتقال مادورو هو رسالة واضحة: زمن التساهل مع اختراق المجال الحيوي الأميركي انتهى.

إيران وحزب الله… كسر شرايين الالتفاف على العقوبات

لعبت فنزويلا دور محطة خلفية لإيران عبر بيع نفطها خارج العقوبات، منح جوازات سفر فنزويلية لشخصيات إيرانية ومن حزب الله، وتأمين عمق لوجستي لشبكات معادية لواشنطن. ضرب كاراكاس هنا هو ضرب إحدى عقد شبكة إيران العالمية، لا فنزويلا فقط.

خامساً: النفط المدعوم… تفكيك محور اليسار الراديكالي
دعم كوبا ونيكاراغوا بالنفط الرخيص لم يكن عملاً تضامنياً، بل أداة سياسية لإبقاء أنظمة مناوئة للولايات المتحدة. تفكيك هذا الدعم يعني إضعاف محور كامل في أميركا اللاتينية.

 إعادة رسم النظام الدولي

اعتقال مادورو وزوجته هو قرار شامل يجمع كل ما سبق: الطاقة، الأمن، الجغرافيا، وكسر الشبكات الموازية للدولة.
نحن أمام مرحلة انتقالية تعمل فيها أميركا على إعادة هندسة النظام العالمي بأدوات أكثر خشونة، حيث لم يعد القانون الدولي مرجعاً بقدر ما أصبحت موازين القوة هي الحَكم.

المنعكسات؟

● إعادة ضبط سوق الطاقة.
● تضييق الخناق على إيران ووكلائها.
● تقليص النفوذ الروسي والصيني في نصف الكرة الغربي.
● تكريس منطق «السيادة لمن يملك القوة».
● الأمم المتحدة والقانون الدولي في حالة حرجة وهذا ما عبر عنه غويتيريش في تصريحه لأنها تشرعن عمليات تخالف الشرعية الدولية.

 

لم يُعتقل مادورو وزوجته لأنه ديكتاتور، بل لأنه أصبح عبئاً استراتيجياً في لحظة إعادة ترتيب العالم.

 

شاركها.