
د.نبيل العتوم
مع اتساع رقعة الاحتجاجات داخل إيران وتصاعد حدّتها، لم يعد المشهد الداخلي قابلًا للقراءة بوصفه موجة غضب عابرة، بل كأزمة حكم تتقدم بثبات نحو قلب النظام. الشارع الإيراني، الذي كسر في الأسابيع الأخيرة حاجز الخوف، حيث لم يعد يطالب بإصلاحات اقتصادية أو وعود معيشية، بل يضع شرعية السلطة نفسها موضع تساؤل، في لحظة تتشابك فيها الضغوط الداخلية مع رسائل تهديد خارجية غير مسبوقة.
في هذا المناخ المشحون، تتزاحم التقارير التي تتحدث عن إعداد خطة طوارئ لنقل المرشد الأعلى علي خامنئي وعائلته بمن فيهم ابنه مجتبى المرشح لخلافته ، والمسئولين المقربين منه ممن يمتلكون اصولا مالية كبيرة إلى روسيا إذا خرجت الاحتجاجات عن السيطرة. الحديث عن “حجز تذكرة” للمرشد وجماعته ، حتى لو جرى في إطار احترازي، يحمل دلالة سياسية خطيرة ؛ إذ يكشف أن النواة الصلبة للنظام باتت تفكر في سيناريو كان حتى وقت قريب من المحرمات: ماذا لو لم يعد مركز القرار آمنًا داخل إيران نفسها؟.
اختيار روسيا كوجهة محتملة ، لا يمكن فصله عن طبيعة التحالف القائم بين طهران وموسكو ؛ فهو يعكس، من جهة، عمق الارتباط الأمني والسياسي بين الطرفين، ومن جهة أخرى ضيق الخيارات أمام القيادة الإيرانية في البحث عن ملاذ خارجي موثوق. المفارقة هنا أن نظامًا بنى خطابه لعقود على شعارات السيادة ورفض الوصاية الأجنبية يجد نفسه، في لحظة حرجة، مضطرًا للتفكير بالاحتماء لدى حليف خارجي.
لاشك بأن تزامن هذه التسريبات مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضرب إيران في حال قُتل متظاهرون، يضيف طبقة جديدة من الضغط؛ فحتى لو بقيت هذه التهديدات في إطار الردع اللفظي، فإنها تضع الأجهزة الأمنية الإيرانية تحت مجهر دولي، وتقلّص هامش استخدام العنف المفرط دون كلفة سياسية كبيرة. في المقابل، قد يحاول النظام توظيف الخطاب الأميركي لتصوير الاحتجاجات كجزء من “مؤامرة خارجية”، إلا أن هذا السرد يبدو أقل قدرة على الإقناع في ظل عمق الأزمة الاجتماعية.
الأخطر من كل ذلك أن مجرد تداول سيناريو مغادرة خامنئي وجوقته وأموالهم يفتح الباب أمام تساؤلات داخلية حساسة؛ فغياب المرشد، ولو مؤقتًا، قد يسرّع صراعات كامنة داخل الحرس الثوري ومراكز النفوذ حول توازنات السلطة ومرحلة ما بعده، وهو ما يشكل كابوسًا حقيقيًا للنظام. كما أن أي إشارة إلى اهتزاز قمة الهرم ستُقرأ إقليميًا ودوليًا كعلامة ضعف، وقد تدفع أطرافًا عدة إلى إعادة حساباتها تجاه إيران.
في المحصلة، يبدو أن إيران تقف عند لحظة مفصلية؛ الشارع يغلي، والضغط الدولي يتصاعد، وتسريبات “تذكرة الهروب” تكسر صورة التماسك التي حرص النظام على ترسيخها طويلًا. إنها بلا شك لحظة تختبر فيها القيادة الإيرانية قدرتها على الصمود، وتطرح سؤالًا مهما لم يعد من السهل تجاهله: هل يحجز المرشد و”فرقته” السياسية تذكرة احتياطية على “الويتنغ ليست” ، أم أن النظام لا يزال قادرًا على إقناع الداخل قبل أن يفكر بالهروب النهائي؟.
