شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة

محلل وباحث سياسي

لم يعد النظام الدولي الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب الباردة قائمًا بوظيفته الفعلية. نحن أمام زوال منظومة كاملة كانت تقوم على قواعد وقيم ومؤسسات، ودخول العالم في مرحلة إعادة تشكيل ثالثة خلال ثلاثة عقود: من ثنائية قطبية، إلى أحادية أميركية، ثم إلى ثنائية صينية–أميركية، وصولًا اليوم إلى تعددية قطبية متوترة تقودها واشنطن بعقيدة جديدة تقوم على القوة العارية والمصلحة الصافية.

التحول الأخطر لا يتمثل فقط في صعود قوى منافسة، بل في تحوّل الولايات المتحدة نفسها من “حارس النظام” إلى قوة مراجعة تعمل على هدم البنية التي صنعتها بيدها بعد الحرب العالمية الثانية، لإعادة بنائها وفق مقاييس جديدة.

ترامب وعقيدة السيطرة لا الشراكة:

تصريحات دونالد ترامب حول فنزويلا لم تكن زلة لسان ولا استعراضًا شعبويًا، بل إعلانًا صريحًا عن جوهر المرحلة:
“سندير البلاد، ولن نسمح لأي طرف آخر بالوصول إلى السلطة”.
هذه اللغة تعني أن واشنطن انتقلت من إدارة النفوذ عبر المؤسسات والقواعد إلى إدارة المناطق عبر السيطرة المباشرة عندما تقتضي المصلحة. إنها عودة محدثة لمبدأ مونرو، ولكن بثوب اقتصادي–جيواستراتيجي حديث يُقفل نصف الكرة الغربي كحيز نفوذ أميركي خالص.

تهديد إيران وانعكاسات القوة الأميركية على المتوسط:

تهديدات ترامب بقصف إيران لم تكن مجرد كلام سياسي، بل إشارة واضحة إلى حدود صبر واشنطن تجاه أي تحركات تعتبرها تهديدًا لمصالحها المباشرة. محور الممانعة، الذي راهن طويلًا على امتداد نفوذه من فنزويلا إلى المنطقة، وجد نفسه أمام ضربة مزدوجة: فشل مشروعه في توسيع النفوذ، وفي الوقت نفسه ظهور إدارة أميركية جاهزة لاستخدام القوة مباشرة لحماية مصالحها.

الانعكاس على الجيوبوليتيك الشرق أوسطي واضح:

واشنطن تعيد رسم خطوط الغاز في البحر المتوسط، وتعيد ترتيب القوى الإقليمية وفق مصالحها، بحيث تتحول المنطقة تدريجيًا إلى لوحة محكومة بالسيطرة المباشرة للأقوياء، حيث تُدار الموارد والطاقة والتحالفات وفق ما يخدم واشنطن أولًا. إن هذا التحرك يعكس ما يمكن تسميته “عقيدة الأقوياء”، التي ترى أن القانون الدولي والمؤسسات لم تعد أدوات كافية لضمان النفوذ، بل إن القوة الفعلية هي الفيصل.

زوال النظام الليبرالي وصعود عالم القوة:

النظام الذي أسسته واشنطن (الأمم المتحدة، صندوق النقد، منظمة التجارة العالمية، الناتو) لم يعد مرجعًا ملزمًا حتى لراعيه نفسه. ومع تراجع الالتزام الأميركي، يعود العالم تدريجيًا إلى تعددية قطبية غير مستقرة، حيث:
▪︎ الأقوياء يفرضون القواعد،
▪︎ الضعفاء يدفعون الكلفة،
▪︎ المؤسسات تتحول إلى واجهات بلا قدرة تنفيذية،
▪︎ والتحالفات تصبح معاملية مؤقتة لا شراكات إستراتيجية.
الشرق الأوسط أمام فراغ القوة لا توازن القوى:
الخطر الأكبر ليس انسحاب واشنطن، بل الفراغ الجيوسياسي الذي يخلّفه هذا الانسحاب.

الفراغ لا يُنتج استقرارًا، بل يولّد سباق نفوذ، وهنا تتحول المنطقة إلى ساحة تصادم مفتوحة بين:
▪︎ إيران،
▪︎ تركيا،
▪︎ روسيا،
▪︎ إسرائيل،
في دول هشّة تتحول تدريجيًا إلى ساحات إدارة صراع بالوكالة.

السيادة الوظيفية: إعادة تعريف الدولة
في النظام الجديد، لم تعد السيادة مفهومًا قانونيًا مطلقًا، بل تحولت إلى سيادة وظيفية:
الدولة التي لا تملك قرار حدودها واقتصادها وأمنها لا تُعامل كدولة، بل كوحدة تشغيل داخل مشاريع الآخرين.
لماذا فشل العرب؟
ولماذا يدفعون الثمن الآن؟

بينما بنت أوروبا اتحادها، وآسيا تكتلاتها، وأميركا الجنوبية أسواقها المشتركة، بقي العالم العربي أسير جامعة بلا أدوات، وشعارات بلا مشاريع.
لم يفشل العرب لغياب الموارد، بل لغياب منطق الدولة، ومنطق التكتل، ومنطق المصلحة. واليوم يدخلون النظام العالمي الجديد فرادى وضعفاء، في زمن لا يعترف إلا بالكتل الصلبة.

لبنان: من دولة إلى وظيفة جيوسياسية
لبنان لم يعد “قضية سيادية”، بل وظيفة تفاوضية داخل معادلة النفوذ الإقليمي. قيمته تُحدَّد بمدى:
▪︎ ضبط حدوده،
▪︎ موقعه في معادلة إيران–إسرائيل،
▪︎ قابليته لأن يكون منصة أو عبئًا.
وفي عالم القوة، من لا يملك قرار نفسه لا يُسأل عن مستقبله، بل يُقرَّر عنه.
العالم يدخل عصر ما بعد العولمة.
واشنطن تعود دولة قومية صناعية،
آسيا تصبح مركز الثقل الاقتصادي،
أوروبا تدفع ثمن اعتمادها القديم،
والشرق الأوسط أمام اختبار وجودي:
إما أن تتحول دوله إلى تكتلات واقعية متماسكة،
أو تتحول إلى ساحات تُدار عن بُعد.

أما لبنان، فإما أن يستعيد معنى الدولة، أو يُعاد تعريفه كوظيفة في نظام الآخرين.

وفي زمن عقيدة الأقوياء، لا مكان لكيانات تعيش على التاريخ وحده.

شاركها.