شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

مصباح الساكت

كاتب سياسي 

في النظام الدولي المعاصر لم تعد القوة تُقاس فقط بقدرة الدولة على إسقاط خصمها بالحرب المباشرة، بل بقدرتها على منعه من تحقيق النصر، وفرض حالة من الاستنزاف الطويل، والتلاعب بزمن الصراع نفسه.

فمنذ نهاية الحرب الباردة، وعقب تجارب مكلفة في العراق وأفغانستان، تحوَّل التفكير الاستراتيجي في واشنطن نحو ما يمكن تسميته بـ عقيدة منع الحسم: أي إبقاء الخصم في حالة من التدهور البنيوي دون وصول المواجهة إلى درجة الحرب الشاملة، هذا المنطق تبلور بشكل واضح خلال العقد الأخير في ساحة الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، وصولًا إلى أوروبا الشرقية: من بغداد إلى طهران، ومن كراكاس إلى كييف.

تُعد عملية اغتيال قاسم سليماني في بغداد مثالًا محوريًا لهذا التحوّل. سليماني لم يكن قائدًا عسكريًا عاديًا، بل شخصية مركزية في شبكة نفوذ إقليمي معقدة تعتمد على العمل غير المباشر والتحالفات العابرة للحدود. حين استُهدف في قلب العاصمة العراقية، لم تكن الرسالة ببساطة “ضربة لأحد أفراد المحور”، بل إعلان قدرة الولايات المتحدة على كسر ما كان يُنظر إليه كقدسية ردع دون الانزلاق إلى مواجهة كاملة. وما يميّز تلك اللحظة ليس الاغتيال وحده، بل الضبط الشديد للرد من الطرف المقابل، الذي فضّل عدم تصعيد الصراع الكامل رغم الشعارات العالية. وهنا تظهر حقيقة أساسية: القدرة على امتصاص الضربات لا تعادل القدرة على خوض حرب مفتوحة.

في الإطار نفسه، جاءت الضربات على البرنامج النووي الإيراني، التي استهدفت أهم مواقع التخصيب والمفاعلات، كجزء من استراتيجية أشمل لمحاصرة مشروع طهران النووي تقنيًا وزمنيًا بدل مواجهته بضربة واحدة.

فبدلاً من تسريع سباق نحو التسلّح النووي ثم الدخول في حرب واسعة، اعتمدت واشنطن (وأحيانًا شركاؤها في المنطقة) على استهداف البنى التحتية الحيوية، والاغتيالات الدقيقة للخبراء، وعمليات تخريب تقنية، والعقوبات الاقتصادية حتى يبقى المشروع مقيدًا، غير قادر على الوصول إلى نقطة التحوّل الحاسمة التي يمكن أن تغيّر ميزان القوى في المنطقة. هذا أسلوب لا يعلن الحرب ولا يحلّها، لكنه يجعل اهداف الخصم أشد هشاشة أمام الزمن.

في فنزويلا، نهاية عصر الحصانة السياسية

أحداث اليوم تؤكد أن هذا المنهج لم يعد نظرية فقط بل واقع عملي متقدم. أعلنت الولايات المتحدة، في 3 كانون الثاني 2026، تنفيذ ضربة واسعة النطاق داخل فنزويلا تكلّلت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما خارج البلاد، بحسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصف العملية بأنها تمت بالتنسيق مع وحدات النخبة وإنفاذ القانون.

هذا التدخل غير المسبوق في أميركا اللاتينية يمثل أعلى درجة من التدخل العسكري المباشر منذ غزو بنما عام 1989 ويشير إلى أن واشنطن تجاوزت مرحلة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي إلى استهداف القيادة نفسها داخل الدولة.

رد الفعل الفنزويلي الرسمي جاء كلاسيكيًا: نائبة الرئيس أعلنت أن الحكومة لا تعلم مكان مادورو وزوجته وتطالب بإثبات حياتهما، معتبرة ما حدث انتهاكًا خطيرًا للسيادة الوطنية، فيما دعت قيادة الجيش إلى مقاومة العدوان.

هذا الإعلان الأميركي الرسمي والردّ الفنزويلي مضادّ يعكس البلبلة التي أحدثها التدخل على المستويين السياسي والقانوني، ليس في كاراكاس وحدها، بل في المحافل الدولية أيضًا، إذ أثار الجدل داخل الكونغرس الأميركي بشأن شرعية استخدام القوة العسكرية في غياب تفويض رسمي من الأمم المتحدة.

اعتقال مادورو، فيما يرى البعض انه تحول استراتيجي في إدارة النزاعات، يثبت هشاشة التقنيات التقليدية لبناء التحالفات المعادية لواشنطن، لا سيما عندما ترتبط تلك التحالفات ببرامج اقتصادية ضعيفة وشرعية داخلية مهتزة. ففنزويلا، رغم احتياطاتها النفطية الضخمة، لم تستطع أن تبني شبكة دعم اقتصادي أو عسكري قادرة على مواجهة العزلة المفروضة عليها، فأصبحت الدولة نفسها معرضة للتمزّق أكثر من النظام الذي يحكمها.

الصومال 1993: مرآة للمفارقات

ولعل تجربة الصومال عام 1993 تقدم صورة مكثفة لفهم هذه العملية. حين حاولت القوات الأميركية تنفيذ عملية خاطفة لاعتقال أحد زعماء العشائر في مقديشو، أسقطت مجموعتان من مروحيات بلاك هوك، وقتل 18 جنديًا أميركيًا، ما دفع واشنطن إلى الانسحاب وتغيير قواعد اللعب. رغم أن الصومال لم يكن يمتلك صواريخ أو صناعات عسكرية متقدمة، إلا أن بنيته المجتمعية وتجذّرها المحلي جعلاه قادرًا على فرض كلفة مباشرة على تدخل قوة عظمى.

المفارقة هنا أن محاور معاصرة تمتلك ترسانات وصواريخ وصناعات، إلا أنها عاجزة عن فرض كلفة مماثلة على الولايات المتحدة أو غيرها من القوى. امتلاك السلاح وحده مع الشعارات الورقية لا يكفي لتحويل وجود خارجي إلى خروج ذي معنى.

أوكرانيا: مثال آخر لمنع الحسم

وفي أوروبا الشرقية، لم تسعَ واشنطن إلى إسقاط روسيا أو الدخول في حرب مباشرة معها، بل حافظت على نهج منع الحسم عبر دعم أوكرانيا بوسائل عسكرية غير مباشرة، استخباراتية واقتصادية. هذا الدعم جعل الحرب حرب استنزاف طويلة، لم تُحسم لصالح موسكو ولا تُفقدها قدرتها العسكرية بالكامل. ما حدث هنا يشبه إلى حد بعيد ما يُرى في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية: الهدف ليس هزيمة الخصم فورًا، بل إبقاؤه في حالة من الارتباك والضغط المستمر بما يدفعه إلى استنزاف موارده وشرعيته تدريجيًا.

حين يصبح الزمن سلاحًا

ما يربط بين كل هذه الساحات هو إدراك عميق بأن الصراع الحديث لم يعد يُحسم بضربة واحدة، بل بإدارة زمن الصراع نفسه. من اغتيال سليماني إلى تعطيل البرنامج النووي الإيراني، ومن اعتقال مادورو إلى منع الحسم في أوكرانيا، يبرز نمط واحد: قوة تُدار عبر الزمن، لا عبر الانفجار. قوة تمنع الخصم من الانتصار بدل السعي إلى هزيمته الكاملة.

في هذا العالم المعقد، لا يكفي امتلاك السلاح وحده، بل تكامل القوة العسكرية مع اقتصاد قوي، بناء مؤسسات، وشرعية داخلية. فبدون ذلك، لا تصبح القوة استراتيجية مكتملة، بل مجرد صورة على ورق، تتأثر بمرور الزمن وتكشف هشاشتها أمام اختبار الواقع.

شاركها.