سميرة غمراوي
يمرّ لبنان بواحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، مرحلة لم تترك أثرها فقط على الاقتصاد أو السياسة، بل ضربت في العمق النفسي للمجتمع. ومع تراكم الأزمات، برزت ظاهرة خطيرة تتجاوز الانهيار المادي، وهي السلبية المجتمعية التي بدأت تتغلغل في الخطاب اليومي، والسلوك العام، والعلاقات بين الناس، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اللبناني.
في علم النفس الاجتماعي، تُعرَّف السلبية على أنها نمط تفكير وسلوك قائم على التوقع الدائم للأسوأ، ورفض إمكانية التغيير، والتقليل من قيمة أي جهد فردي أو جماعي. هذه السلبية، حين تنتشر في مجتمع مأزوم كالمجتمع اللبناني، لا تكون مجرد حالة نفسية عابرة، بل تتحول إلى قوة مُعطِّلة تُسهم في إطالة عمر الأزمات.
أولًا: جذور السلبية في الواقع اللبناني
لا يمكن فهم السلبية المنتشرة في لبنان دون العودة إلى أسبابها العميقة. فالإنسان لا يولد سلبيًا، بل تُصنع السلبية عبر التجربة.
من أبرز هذه الجذور:
-تراكم الخيبات الناتجة عن وعود سياسية كاذبة
-فقدان الثقة بالمؤسسات والعدالة
-الانهيار الاقتصادي وما رافقه من فقدان للأمان الاجتماعي
-الهجرة القسرية للأحبة وتفكك العائلات
-الإحساس بالعجز أمام واقع لا يُشبه التضحيات
-هذه العوامل مجتمعة أنتجت مواطنًا يشعر أن جهده لا قيمة له، وأن صوته لا يُسمَع، فيلجأ إلى السلبية كآلية دفاع نفسي، تحميه من خيبة أمل جديدة.
ثانيًا: ملامح الشخص السلبي في المجتمع اللبناني
الشخص السلبي في لبنان اليوم لا يعيش فقط حالة تشاؤم، بل يمارس دورًا اجتماعيًا خطيرًا دون أن يدرك ذلك.
نراه:
-يسخر من أي مبادرة شبابية أو تطوعية
-يهاجم كل فكرة إصلاحية قبل تنفيذها
-يختصر الوطن بجملة: «ما في أمل»
-ينشر الإحباط عبر وسائل التواصل كما لو كان حقيقة مطلقة
-يبرر الفساد والعجز بحجة أن «الوضع ميؤوس منه»
وبذلك، يتحول من متضرر من الأزمة إلى ناقل لها على المستوى النفسي والاجتماعي.
ثالثًا: تأثير السلبية على الوضع العام في لبنان
السلبية ليست موقفًا محايدًا، بل لها آثار ملموسة على الواقع اللبناني:
1. شلّ المبادرات المجتمعية
كثير من المشاريع الاجتماعية والإنسانية تُجهض في بداياتها بسبب خطاب محبط يستخف بالجهد ويزرع الشك قبل التجربة.
2. ضرب روح العمل الجماعي
السلبية تُضعف التضامن، وتُعزز الفردية، وتخلق مجتمعًا متفرّقًا عاجزًا عن توحيد مطالبه.
3. تحويل الفشل إلى حالة طبيعية
عندما تصبح السلبية سائدة، يُنظر إلى الانهيار كقدر، وإلى الفساد كأمر واقع، فتغيب المحاسبة ويترسّخ الصمت.
4. تهديد مستقبل الأجيال
أخطر ما في السلبية أنها تنتقل إلى الشباب، فتقتل الطموح، وتجعل الهجرة الحل الوحيد، وتُفرغ البلد من طاقاته الحية.
رابعًا: الفرق بين النقد الواعي والسلبية الهدّامة
من المهم التمييز بين:
-النقد البنّاء الذي يهدف إلى الإصلاح
-والسلبية الهدّامة التي ترفض أي تغيير
-النقد الواعي يبحث عن حلول،
-أما السلبية فتبحث عن أعذار للفشل.
-لبنان بحاجة إلى وعي ناقد، لا إلى جلد الذات،
وإلى مساءلة حقيقية، لا إلى ترويج اليأس.
خامسًا: كيف نواجه السلبية في المجتمع اللبناني؟
مواجهة السلبية مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد:
-نشر خطاب متوازن لا يُنكر الألم ولا يُقدّسه
-دعم المبادرات الصغيرة لأنها نواة التغيير
-حماية الطاقات الإيجابية من الاستنزاف النفسي
-تعزيز التربية على الأمل المسؤول لا الوهم
-إعادة الاعتبار لقيمة الفعل مهما كان محدودًا
-فالتغيير في المجتمعات المنهكة لا يأتي دفعة واحدة،
بل عبر تراكم أفعال صغيرة تُقاوم اليأس اليومي.
