لماذا أصبحت السعودية حجر الزاوية الأخير في منع سقوط الإقليم إلى دويلات؟

خالد خشفة
محلّل وباحث سياسي
لم يعد الشرق الأوسط يقف على حافة الفوضى، بل دخلها فعليًا. فما نشهده اليوم لم يعد سلسلة أزمات منفصلة، بل بنية تفكيك منهجية تُعاد صياغتها تحت عنوان واحد: تفتيت الدول إلى وحدات أصغر، أضعف، وأكثر قابلية للسيطرة.
من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى السودان، ومن سوريا إلى العراق، تتكرّر الصيغة ذاتها: نزاعات داخلية، قوى أمر واقع، سلاح خارج الدولة، وانهيار اقتصادي يُمهّد للانقسام السياسي والجغرافي.
إنها مرحلة إعادة هندسة الشرق الأوسط، لا عبر الحدود الدولية هذه المرة، بل عبر تفكيك الكيانات من الداخل.
التفتيت كاستراتيجية لا كنتيجة:
في اليمن، لم تعد الحرب حربًا على السلطة، بل مشروع تقسيم مكتمل الملامح:
▪︎ شمال تحت سلطة الحوثيين.
▪︎ جنوب يُدار عبر المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا.
▪︎ حكومة شرعية تحميها السعودية وتكافح لمنع سقوط الدولة.
وفي سوريا، تتكامل أدوات التفتيت:
▪︎ دعوات انفصال سياسي في الساحل والسويداء.
▪︎ «قسد» ككيان موازٍ يقطع الجغرافيا السورية.
▪︎ صعوبة إعادة بناء الدولة الجامعة.
وفي السودان، تحوّلت الحرب بين أبناء البلد الواحد إلى منصة تفكيك لا تقل خطورة عن أي عدوان خارجي.
أما الصومال، فدخل مرحلة أخطر: مرحلة التفتيت المُشرعن دوليًا.
الصومال حين يتحوّل التفتيت إلى اعتراف دولي.
إعلان بنيامين نتنياهو عزمه الاعتراف بـ«أرض الصومال» لم يكن خطوة رمزية، بل اختبارًا عمليًا لتعميم نموذج التفتيت المُقنّن.
فإذا قُبل تقسيم الصومال تحت عنوان «الاستقرار»، فما الذي يمنع غدًا الاعتراف بـ:
▪︎ جنوب لبنان ككيان أمني؟
▪︎ شرق سوريا كدولة وظيفية؟
▪︎ جنوب اليمن كدويلة موانئ؟
▪︎ أو كانتونات سودانية وعراقية؟
الرسالة واضحة: لم يعد المطلوب إسقاط الدولة، بل إعادة تعريفها كجغرافيا قابلة للتجزئة القانونية.
من المستفيد من التفتيت؟
التفتيت لا يخدم الفوضى، بل يخدم منظومات نفوذ عابرة للحدود.
يخدم إسرائيل التي تبحث عن محيط مُجزّأ بلا دول مركزية.
ويخدم إيران التي تبني نفوذها عبر وكلاء لا دول.
ويخدم قوى دولية تفضّل إدارة مناطق رخوة على التفاوض مع دول سيّدة.
ولهذا، فإن تفكيك الخرائط لم يعد انحرافًا، بل أصبح أداة إدارة.
لبنان: النموذج الذي يسبق الجميع إلى الهاوية
لبنان ليس مجرد ضحية، بل نموذج تجريبي متقدم:
▪︎ دولة بلا قرار سيادي.
▪︎ اقتصاد بلا دولة.
▪︎ وسلاح بلا محاسبة.
ما يجري فيه اليوم هو ما يُراد تعميمه غدًا: دولة اسمية، وسلطة حقيقية موزعة على كيانات وظيفية.
الخطر الحقيقي: الخليج نفسه
التحوّل الأخطر ليس في الدول المنهكة، بل في قلب النظام العربي نفسه: الخليج.
التصعيد بين السعودية والإمارات لم يعد خلاف مصالح، بل تماسًا مباشرًا مع أمن الكيانات الخليجية ذاتها.
ما جرى في حضرموت والمهرة ليس تفصيلًا، بل إنذار استراتيجي وصل إلى تخوم المملكة نفسها.
جذور الصراع السعودي–الإماراتي: صراع دور، لا صراع ودّ.
الخلاف ليس وليد اللحظة، بل صراع على من يقود الخليج ومن يرسم مستقبل المنطقة.
من أزمة الاتحاد النقدي عام 2009، إلى الحدود، إلى قطر، إلى اليمن، إلى التطبيع، وصولًا إلى المكلا، المسار واضح:
الإمارات تبحث عن دور فوق حجم الجغرافيا،
والسعودية تعيد تثبيت نفسها كـ«العمود الفقري» الوحيد القادر على حماية بنية الإقليم.
السعودية: آخر دولة مشروع، لا دولة وظيفة
وسط هذا الانهيار، تبرز السعودية بوصفها الدولة العربية الوحيدة التي ما زالت تمتلك مشروع دولة، لا وظيفة نفوذ.
هي الدولة التي:
▪︎ تقاتل التفكيك في اليمن لمنع سقوط الدولة.
▪︎ تعيد بناء كوابح الاتزان الإقليمي.
▪︎ وتحاول منع الانفجار الشامل.
في السنوات المقبلة، لن نشهد صراع حدود، بل صراع تعريف الدولة نفسها:
هل تبقى كيانًا سياديًا موحدًا؟
أم تتحوّل إلى خرائط خدماتية موزعة على وكلاء محليين وإقليميين؟
هنا ستكون السعودية أمام اختبار تاريخي، ليس كقوة سياسية فقط، بل كآخر فرصة لبقاء مفهوم الدولة العربية.
