شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مازن زين 

في خضمّ السجال السياسي والإعلامي الذي رافق التطورات الأخيرة في الجنوب السوري، برزت حاجة ملحّة إلى إعادة النقاش إلى أساسه الصحيح: الجغرافيا والأرقام، لا الانفعالات والادعاءات المبالغ فيها.

تشير الخرائط الميدانية إلى أن المناطق الملوّنة باللون الأحمر تمثّل المساحات التي احتلتها إسرائيل عقب انهيار الجيش الأسدي، وتبلغ مساحتها نحو 183 كيلومترًا مربعًا. وبحسابٍ بسيط، فإن هذه المساحة تعادل تقريبًا واحدًا بالألف من المساحة الإجمالية لسوريا، ما ينفي تلقائيًا الروايات التي تتحدث عن احتلال “ثلث البلاد” أو “مساحات شاسعة” من الأراضي السورية.

ورغم وضوح هذه الأرقام، يعمد خصوم الواقع الجديد في سوريا إلى تضخيم الحدث بصورة فجّة، عبر ترويج ادعاءات لا تصمد أمام أي قراءة جغرافية أو حسابية دقيقة. فالقول إن “ثلث سوريا قد احتُلّ” ليس سوى كذبة مكشوفة، تتجاهل الحقائق الميدانية وتستهدف إثارة الهلع وتغذية خطاب الانهيار.

أما الادعاء الثاني، فيتعلق بالمسافة بين القوات الإسرائيلية ومدينة دمشق، حيث يُروَّج أن إسرائيل أصبحت على بعد 45 كيلومترًا فقط من العاصمة. والحقيقة هنا أكثر دقة: هذا الرقم لم يصبح صحيحًا إلا بعد السيطرة على قمة جبل الشيخ، في حين أن المسافة قبل ذلك كانت تقارب 55 كيلومترًا. أي أننا نتحدث عن فارق لا يتجاوز 10 كيلومترات، وهو فارق محدود جدًا، ولا يُحدث أي تغيير جوهري في المعادلات الاستراتيجية كما يُصوَّر إعلاميًا.
والأهم من ذلك، أن هذا النقاش يتجاهل حقيقة جغرافية أساسية: بلاد الشام ضيّقة بطبيعتها. فالمسافة بين دمشق والقدس، ودمشق وعمّان، ودمشق وبيروت، جميعها تقل عن 150 كيلومترًا. أي أن القرب الجغرافي بين العواصم والمدن الكبرى ليس تطورًا طارئًا ولا اختراقًا استثنائيًا، بل واقع ثابت منذ قرون، لم يتغيّر بحدثٍ عسكري محدود.

إن ما جرى هو احتلال محدود المساحة، لا يمكن إنكاره، لكنه في الوقت نفسه لا يرقى إلى الصورة الكارثية التي يجري تسويقها. تضخيمه لا يخدم فهمًا واقعيًا للخرائط ولا قراءة دقيقة للأرقام، بل يصبّ في خدمة أجندات سياسية وإعلامية تبحث عن الإثارة والتهويل أكثر مما تبحث عن الحقيقة.

شاركها.