سميح الأسدي
احمد الكاتب يغوص في افكار وكتب المرجع الاعلى الراحل السيد الخوئي
بقلم احد المشايخ وطلاب الخوزة:
جلس أحمد الكاتب أمام أكوام الكتب، لا بوصفه منكرًا لولادة المهدي المنتظر بل موقنًا بها، كان غرضه إيصال نتائج فكره وحقائقه المستخلصة لطلبته السودانيين الذين تجشموا عناء السفر من الخرطوم إلى قم، بدأ جلسته بدافع الفهم، لإيصال تلك القناعة الى الذين لم يسبق إيمانهم بهذه الفكرة. جمع روايات ولادة المهدي المنتظر واحدةً واحدة، تجمعت لديه 39 رواية، فرح بهذا الكم الكبير الموجود في المصادر الاصلية، جمعها فرحا بهذا الإنجاز، لكنه أراد تعميق قناعته واساندها قانونيا فقام بحملها إلى ميزان علم الرجال عند السيد الخوئي، ذلك الميزان الصارم الذي لا يعرف المجاملة.
لقد التقى بهذه الشخصية من خلال ميزانه الصارم، لكن المفاجأة غير المنتظرة هو تساقط تلك الروايات واحدة بعد الأخرى، أعاد الكرة ولم يحصل إلا على الدهشة والسؤال، كيف يجرأ أكبر فقهاء الشيعة في القرن العشرين على تضعيف روايات ولادة المهدي المنتظر؟
شعر بالفراغ وخيبة الأمل، ماذا يقول لطلبته.. نعم إنها حيرة وفشله. تسلل من المكتبة الى البيت بهدوء لكي لا يراه واحد من طلبته وهو بهذه الحمولة الثقيلة من خيبة الأمل .
قال في نفسه: إذا كانت الولادة،وهي الحجر الأول في هذا البناء لم تثبت سندا، فكيف نقبل ما بُني عليها من روايات الغيبة والظهور والسفارة وعلامات الظهور؟
كيف يمشي التاريخ الشيعي إلى الأمام إن لم تُغرس قدمه الأولى بثبات؟ هنا لم يكن السؤال: هل المهدي حق أم باطل؟ بل صار السؤال أعمق وأكثر إيلاما:
هل نحن نؤمن لأن الدليل قادنا، أم لأن الحاجة النفسية سبقت البرهان؟
أحسّ أحمد بثقل التراث، لا كعبئ جامد، بل كمسؤولية. التراث الذي تعلّقت به الملايين، وانتظروا عدلا مؤجلا ليخفف عنهم قسوة الحاضر. فهل يجوز أن يُمسّ هذا الانتظار بسؤال؟ أم أن السؤال نفسه خيانة؟
كان الصراع عنده داخليًا لا خارجيًا: العقل يقول إن المنهج لا يرحم، وإن الرواية إن سقطت سقط ما بعدها. والقلب يقول إن الإيمان ليس معادلة حسابية، وإن بعض الحقائق عاشت لأنها كانت ضرورة روحية قبل أن تكون نصا مُسنَدا.
تساءل أحمد: هل وُلد المهدي فعلًا ثم ضاعت الأدلة؟ أم لم يولد في الواقع، بل ولد في الوجدان الجمعي خوفًا من يأس الشيعة بوفاة آخر إمام دون خلف ظاهر؟
أم أن الإشكال ليس في الولادة، بل في طريقة تعاملنا مع النص، حين نحاكم الغيب بأدوات التاريخ وحدها؟
لم يجد جوابًا سريعًا، وربما أدرك أن الأسئلة الصادقة لا تُطرح لتُغلق، بل لتبقى مفتوحة. وأن الشك – حين يكون نزيها – ليس عدو الإيمان، فالإيمان الذي لا يمرّ على نار السؤال، قد يكون سطحيا وموروثًا، لكنه ليس مختارًا.خرج أحمد من رحلته أقل يقينًا، لكنه أكثر صدقًا. لم يهدم الفكرة، ولم يُسلّم بها كما كانت.
بل وقف على الحدّ الفاصل بين العقل والتراث، وقال بهدوء: إن أعظم ما يمكن أن نفعله مع المقدّس، هو أن نبحث عنه بجرأة، لا أن نحميه بالخوف.
