
د.نبيل العتوم
يتكرر في الخطاب الإعلامي والسياسي، خصوصًا عند كل تصعيد، ادعاء مضحك حدّ السذاجة يقول إن إيران قادرة على دخول حرب إسناد شاملة دفاعا عن لبنان خلال ثلاثين دقيقة فقط، وكأن طهران تجلس في غرفة تحكّم وبجانبها زر أحمر مكتوب عليه: “حرب إقليمية – اضغط عند الحاجة”. هذا الادعاء، الذي تروّجه طهران وأبواق حزب الله بإصرار، لا يستند إلى أي منطق عسكري أو سياسي، بل إلى خيال دعائي يُراد له أن يعوّض غياب الفعل بالقليل من الضجيج والكثير من المبالغة.
وفي قلب هذه الأسطورة، يتم تجاهل حقيقة يعرفها حتى خصوم إيران قبل حلفائها، وهي أن ايران ليست دولة عقائدية انتحارية كما تحب أن تظهر، بل دولة مصلحية براغماتية من الطراز الثقيل، تحسب خطواتها بالآلة الحاسبة لا بالخطب الثورية. إيران لا ترى في وكلائها “أبناء قضية” يستحقون أن تُحرق طهران دفاعًا عنهم، بل تراهم مصدّات متقدمة، تُستنزف عند الحاجة، وتُرمى في خط النار كي يبقى الداخل الإيراني والنظام بعيدًا عن اللهب. وظيفة هؤلاء ليست استدعاء إيران إلى الحرب، بل استقبال الحرب بدلًا عنها، ومنعها من الاقتراب من حدودها. لذلك فإن تصوير الوكلاء كجسر تعبر فوقه إيران إلى معركة كبرى هو قلب كامل للواقع؛ فهم في الحقيقة قرابين محسوبة في مشروع الولي الفقيه، تُقدَّم بدم بارد لتوسيع النفوذ وشراء الوقت، لا لاستدعاء تضحية إيرانية قد تهدد عرش النظام نفسه.
ومن يتابع سلوك إيران في الأزمات السابقة، لا يحتاج إلى كثير عناء لفهم القاعدة. فطهران، كلما ارتفعت حرارة المواجهة، خفّضت سقفها، وكلما اقتربت ساعة الاختبار، رفعت منسوب الغموض. هي دولة تتقن فن إدارة الصراع من الخلف، عبر الرسائل والوسطاء والوكلاء، لا دولة تقفز إلى حرب مفتوحة وتكسر كل الخطوط الحمراء دفعة واحدة. تدخلها، إن حصل، يأتي ببطء، وعلى دفعات، وبأدوات غير مباشرة، مع حرص دائم على ترك باب الرجوع مفتوحًا، وكأنها تخوض معاركها بقدم داخل الحلبة وأخرى جاهزة للانسحاب.
أما مصطلح “حرب الإسناد” نفسه، فقد تحوّل إلى نكتة سياسية تُستعمل خارج معناها؛ فالإسناد في العقل الإيراني لا يعني إعلان حرب فورية ولا إرسال قوات خلال نصف ساعة، بل يعني رفع كلفة الخصم بأقل كلفة ممكنة على إيران. هو دعم محسوب، وضغط بالتقسيط، واستنزاف بالوكالة. أما حديث “الثلاثين دقيقة”، فليس سوى لغة تعبئة معنوية رخيصة، وردع نفسي كاذب، يُراد منه إقناع الجمهور بأن هناك عملاقًا يقف خلف الستار، بينما الواقع يقول إن العملاق الكسيح لا يخرج من الظل إلا إذا ضَمِن أن النار لن تقترب منه.
في الحقيقة، تخدم هذه الأسطورة طرفين يبدوان متخاصمين لكنهما يتقاطعان بامتياز. طرف يريد تضخيم صورة الردع لرفع المعنويات وبيع الوهم، وطرف آخر يوظّف هذا الوهم لتخويف الداخل اللبناني وتصويره كقنبلة موقوتة جاهزة لإشعال المنطقة. وفي الحالتين، تُختزل السياسة والحرب في رقم زمني فارغ، وتُستبدل الوقائع بشعارات صاخبة.
النتيجة أن الحديث عن دخول إيران حرب إسناد للبنان خلال ثلاثين دقيقة ليس سوى كذبة سياسية مغلّفة بلغة عسكرية. إيران لا تدخل الحروب بالدقيقة، ولا تتحرك إلا إذا ضمنت أن غيرها سيدفع الثمن. أما لبنان، ففي هذه الرواية، ليس سوى زر تشغيل مؤجّل، يُستخدم عند الحاجة إذا قرر الولي الفقيه أن وقت التضحية قد حان. ما يُسوَّق ليس حقيقة، بل وهم دعائي مفيد، فيما الواقع يقول إن قرارات الحرب في هذه المنطقة تُصنع ببطء شديد، وبحسابات ثقيلة، لا على إيقاع العناوين المثيرة ولا الشعارات المشروخة التي تكرّرها الأبواق المأجورة.
