شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

حين تصبح السيادة امتيازًا لا حقًا

خالد خشفة

محلّل وباحث سياسي

 

لم يعد لبنان ورقة تفاوض.
لبنان اليوم صار ثمنًا.
والدول لا تُسعَّر إلا حين يُشكّ العالم بكونها ما زالت دولًا.

في لحظة إقليمية غير مسبوقة، تُعاد فيها هندسة موازين القوى بعد حرب غزة وتفكك المحاور القديمة، دخل لبنان مرحلة “التسعير السياسي”.

لم يعد السؤال: من يربح في لبنان؟
بل: ماذا سيدفع لبنان مقابل أن يُسمح له بالبقاء دولة؟
المعادلة الجديدة واضحة:
سحب السلاح، تجفيف المال، تثبيت الدولة.
وكل ما عدا ذلك تفاصيل.

نتنياهو: من إدارة الردع إلى فرض الحل

يدرك بنيامين نتنياهو أن ميزان القوة لم يعد يعمل لمصلحته كما في السابق. حزب الله لم يُكسر، لكنه أُنهك. وفي العقيدة الإسرائيلية، الإنهاك هو اللحظة المثالية لفرض الشروط..لذلك يسعى نتنياهو إلى انتزاع تفويض أميركي لتوسيع الضغط، لا لحرب شاملة، بل لفرض مسار سياسي إجباري عنوانه:
نزع السلاح قبل الإعمار، وتجفيف المال قبل أي استثمار.
إسرائيل لا تريد احتلالًا ولا حربًا طويلة، بل تريد لبنان منزوع القوة، مضبوط القرار، مُعاد إدخاله إلى النظام الإقليمي كدولة بلا ميليشيا.

ترامب: صفقة بلا نار، ولكن بشروط

ترامب لا يريد حربًا شمال إسرائيل، لكنه لا يريد أيضًا حزبًا مسلحًا يتحكم بدولة منهارة.
هو لا يطفئ النار، بل يستبدلها بصفقة تقوم على ثلاث ركائز:
▪︎ لا مساعدات بلا سيادة.
▪︎ لا إعمار بلا سحب سلاح.
▪︎ لا اندماج اقتصادي بلا تجفيف تمويل غير شرعي.
ترامب لا يعارض نزع سلاح حزب الله، لكنه يريد تحقيقه بثمن سياسي واقتصادي، لا بانفجار عسكري.

أرض الصومال: المثال الصادم للنظام الدولي الجديد

اعتراف نتنياهو بأرض الصومال ليس خبرًا عابرًا، بل إعلان فَجّ عن ولادة نظام دولي جديد.
الكيان الذي يضبط أمنه، ويحتكر السلاح، وينتج استقرارًا وظيفيًا، يمكن الاعتراف به ولو خالف الخرائط القديمة.

والدولة التي لا تحتكر القوة تُنزع عنها شرعيتها، ولو بقي علمها مرفوعًا.
السيادة لم تعد حقًا تاريخيًا، بل امتيازًا مشروطًا بالأداء.

وهذا التحوّل هو أخطر ما أصاب النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.
وهذا هو المعيار الذي وُضع فيه لبنان الآن.

السعودية: غرفة القرار التي يُعاد فيها تعريف لبنان

السعودية لم تعد داعمًا.
السعودية أصبحت غرفة القرار التي يُعاد فيها تعريف لبنان.
ما يجري اليوم على الملف اللبناني لا يُدار في بيروت، بل يُعاد تصميمه خارجها. وهي التي:
▪︎ تربط أي دعم بإعادة السيادة.
▪︎ تضع الجيش اللبناني كبديل شرعي وحيد للسلاح.
▪︎ تقود المسار العربي–الدولي لإعادة لبنان إلى الخريطة.
الرياض لا تفاوض حزب الله.
الرياض تفاوض على لبنان بعد حزب الله.
الأولوية الكبرى: السلاح والمال، لا الأشخاص

المعركة لم تعد على الحكومات.
المعركة على بنية القوة داخل الدولة.

▪︎ سلاح خارج الدولة = لا دولة.

▪︎ مال خارج النظام المالي = لا سيادة.

▪︎ سيادة بلا احتكار القوة = وهم سياسي.

المال هنا ليس فقط تمويل حزب الله، بل كل اقتصاد ظل:
تهريب، كاش، مرافئ غير شرعية، شبكات كبتاغون…
أي اقتصاد لا يخضع للدولة هو سلاح موازٍ.
تجفيف المال وسحب السلاح ليسا مطلبين سياسيين، بل شروط إعادة الاعتراف بلبنان كدولة.
فرصة أخيرة قبل تثبيت الانهيار

لبنان أمام آخر منعطف سيادي في تاريخه الحديث:
▪︎ إمّا دولة… أو ساحة.
▪︎ إمّا اقتصاد… أو حرب مؤجلة.
▪︎ إمّا قرار… أو تسعير دائم.
الفرصة الدولية قصيرة،
وبعدها لا تفاوض، بل تثبيت الانهيار.
لأن الدول التي تتأخر عن احتكار سيادتها… تُحتكر.

شاركها.