
د.نبيل العتوم
لم يكن تصريح محمد جواد ظريف عن دعم إيران لحماس وحزب الله والجهاد ونظام الأسد “من دون أن يردّوا الجميل ولو بطلقة واحدة” زلّة لسان، ولا لحظة انفعال لدبلوماسي متقاعد، بل كان إعلان افتتاح رسمي لمزاد سياسي طال انتظاره ؛ظريف لم يعتب، بل نادى بصوت الدلّال: هذه بضاعتنا الإقليمية، من يدفع… من يزيد؟.
الرجل الذي اعتاد الظهور بوجه الإصلاحي المهذّب صاحب الابتسامه الصفراء ، قرر هذه المرة خلع القفازات والنظارات الملونه، لم يعد يتحدث عن مبادئ أو محور أو مقاومة، بل عن استثمار خاسر لم يُدرّ العائد المطلوب. هكذا، وببراغماتية باردة، حوّل الحلفاء إلى أرقام في دفتر خسائر، والوكلاء إلى سلع انتهت صلاحيتها السياسية والعسكرية . في منطق المزاد، لا مكان للعاطفة، فقط حساب الربح والخسارة والعائد ولتذهب السلعة للجحيم .
ظريف هنا لا يغرد خارج سرب النظام، بل يؤدي دوره بدقة. الإصلاحي في إيران ليس معارضًا، بل موظف علاقات عامة في شركة اسمها “الولي الفقيه” ؛ مهمته أن يقول ما لا يستطيع المحافظ قوله، وأن يلمّع الانسحاب حين يصبح التمدد مكلفًا. لذلك جاء توقيت التصريح مثاليًا: بعد “طوفان الأقصى” الذي كشف حدود القدرة الإيرانية، وبعد سقوط نظام الأسد من معادلات النفوذ، ومع انحسار متسارع في بغداد وغزة وبيروت وصنعاء. تلك العواصم التي تفاخر قاسم سليماني يومًا بأنها “تدار من طهران”، باتت اليوم عبئًا ثقيلًا على طاولة التفاوض.
في هذا المزاد العلني، يحاول ظريف إعادة كتابة الرواية. لم نُهزم، بل خُذلنا. لم نفشل، بل استُغللنا. إنها محاولة ذكية لغسل اليدين من نتائج مشروع إقليمي استنزف الاقتصاد، وأرهق الداخل الإيراني، تمهيدًا لمرحلة «الصفقة الشاملة» مع واشنطن وأوروبا. فحين تعجز عن المواجهة، تنتظر المزاد ، لترفع المطرقة وتبدأ البيع .
ذكر حماس والجهاد لم يكن صدفة ؛ بل رسالة مبطنة بأن فلسطين لم تعد أولوية في المشروع المقبل. تذبذب الموقف الإيراني منذ اللحظة الأولى للطوفان، بين تبنٍ خجول وتنصل علني، كان مقدمة طبيعية لهذا الإعلان ؛ فالقضية التي استُخدمت لعقود كشعار تعبوي، يجري اليوم وضعها على الرف، بانتظار مشترٍ سياسي جديد.
أما حزب الله، فإدراجه في خطاب العتب لا يعني التخلي عنه ؛ بل تجميده. في منطق المزاد، بعض البضائع لا تُباع فورًا، بل تُحتفظ بها كورقة أخيرة لرفع السعر. إيران تريد الحزب مسلحًا، معلّقًا، بلا حرب ولا سلم، ليبقى لبنان ساحة انتظار مفتوحة، وورقة ضغط جاهزة مع اقتراب المهل الدولية وتلميحات واشنطن عن مواعيد نهائية.
غياب الحوثيين عن مزاد ظريف ليس نسيانًا، بل إشارة بيع من تحت الطاولة. صنعاء تبدو أقرب إلى أن تكون أول بند يُقفل في الصفقة ، خاصة بعد الضربات والاغتيالات التي أعادت رسم خطوط النفوذ. هنا تظهر إيران كما هي فعلًا: لا حلفاء دائمين، بل أوراق قابلة للتداول والمقايضة .
الأكثر سخرية أن طهران، التي اعتادت نفي تدخلها في لبنان والمنطقة، تكشف اليوم عبر ظريف تمسكها بكل ورقة حتى آخر لحظة. ليس حبًا في الحلفاء، بل خوفًا من أن تدخل المفاوضات بلا أوراق على قاعدة رابح رابح . وبعد فشل شعار “وحدة الساحات”، لا يبدو مستبعدًا إشعال جولة جديدة في لبنان، لا نصر فيها ولا هزيمة، فقط فوضى كافية لتحسين شروط الصفقة، وحماية الداخل الإيراني من ضربة إسرائيلية محتملة.
في الخلاصة، لا إصلاحي ولا محافظ في إيران خارج هذا المزاد ، الجميع يعمل تحت السقف ذاته، مع اختلاف الأدوار واللهجات ؛ فظريف لم يكن يومًا شاعر سلام، بل مدير بيع أنيق بلا ربطة عنق ، يعرف كيف يبتسم وهو يعلن التصفية. تصريحاته اليوم لا تعبّر عن حلم ديمقراطي، بل عن مشروع يخفّ حمله عبر بيع أثقاله.
إنه مزاد علني بكل معنى الكلمة، والوكلاء ياساده معروضون للبيع بثمن بخس ؛ والصفقة الشاملة قيد التفاوض. أما ما تبقى من “محور المقاومة”، فينتظر من يزاود على تسعيره.
