
طارق الحجيري
كعادة أهل الممانعة، أطلّ النائب حسن فضل الله مزهوًا بانتصاراته مختصرًا نحو أربعة عقود من العمل السياسي بعبارة واحدة “العزّة والكرامة”. عبارةٌ تختصر كلَّ خطاباتهم وأدبياتهم السياسية، لكنها لا تختصر الواقع. فالإكثار من ترداد الشعار لم يعد كافيًا لإقناع شريحة واسعة من اللبنانيين، الذين باتوا يسألون بوضوح غير مسبوق، ما معنى العزّة في بلدٍ منهك اقتصاديًا؟ وكيف تُعرَّف الكرامة في دولة عاجزة عن إعادة إعمار بيوتها، أو حماية عملتها، أو تحصين قرارها السيادي من الارتهان؟
انفصال أم انفصام؟
حين يؤكد فضل الله أن “الهمّ الأساسي لحزبه هو حماية الأرواح وصون السيادة”، يبرز سؤال بديهي هل يواكب هذا الكلام الواقع فعلًا؟ وهل تنسجم هذه العناوين مع مشهد القرى المدمّرة، والحدود المفتوحة على احتمالات التصعيد، وبلدٍ معلّق على توقيت الحروب الإقليمية؟
فحماية الأرواح لا تتحقق في ظلّ تعبئة دائمة، ولا عبر إبقاء المجتمع في حالة استنفار مستمر، ولا حين يُحوَّل لبنان إلى ساحة رسائل نووية ايرانية، خارج إرادة مؤسساته الدستورية وخيارات مواطنيه.
أما السيادة، فلا تُصان بالشعارات وحدها، بل بوجود دولة واحدة، وسلطة واحدة، وقرار مركزي واحد. وكل ما عدا ذلك ليس سوى تبرير سياسي مشروع الدويلة، لا مشروع دولة.
من يدفع الثمن؟
السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى من يتحمّل كلفة ربط الاقتصاد اللبناني بمصير صراعات إقليمية مفتوحة؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير من التحليل. المواطنون هم أول من يدفع الثمن، من أعمالهم، وبيوتهم، وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
فالانهيار الاقتصادي الكارثي الذي نعيشه، لم يكن معزولًا عن خيارات سياسية كبرى، ولا عن واقع بلد فقد ثقة المجتمع الدولي، وبات عاجزًا عن جذب أي دعم أو استثمار في ظل ازدواجية القرار والسلاح.
مهزلة التخوين
في هذا السياق، يستمر خطاب التخوين في محاولة الهروب إلى الأمام. الحديث عن “أيادٍ لبنانية” تتعاون مع إسرائيل لمنع إعادة الإعمار ليس سوى قفز متعمّد فوق جوهر الأزمة. فالمشكلة ليست في معارضة داخلية، بل في واقع سياسي مأزوم يعرفه أهل الممانعة قبل خصومهم.
لا إعمار من دون أفق سياسي واضح، ولا تمويل من دون استقرار، ولا دعم دوليًا في ظل دولة لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم. ومن هنا يصبح سحب السلاح المدخل الالزامي لأي اصلاح حقيقي وليس تفصيلًا قابلًا للتأجيل.
أما التلويح بـ”غضب الناس” فقد استُهلك حتى فقد معناه. وكما قال رئيس الحكومة القاضي نواف سلام “كل شارع يقابله شارع”. لذلك لم تعد أسطوانة تخويف الداخل تُنتج أثرًا سياسيًا، ولا تمنح أصحابها شرعية إضافية.
العزّة والكرامة للناس
العزّة الحقيقية لا تُختصر بالخطب، والكرامة لا تُقاس بعدد الصواريخ ولا بحدة الشعارات. العزّة والكرامة للناس أولًا وأخيرًا، بقدرتهم على العيش بأمان، وبحقهم في دولة تحميهم من الحرب قبل أن تفاوض باسمهم بعدها، وتوفّر لهم الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة والفرص.
وهذا بالضبط ما يطالب به كثيرون اليوم، ردًّا على خطاب لم يعد يكفيه تكرار نفسه لإقناع الناس، ولا لإخفاء الهوّة المتّسعة بين الكلام والواقع.
